الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٨٦الأباضية في موكب التاريخ
584
الأباضية في تونس
الفاخرة مثل الفراء الموشاة، والثياب المذيلة المطولة، والأخراج والخيل المسومة، والبرانيس الواسعة الأكتاف، وكثرة الأعوان، والتعزز بكثرة الأتباع والتبختر في المشي، وقصر الخطا". ويقول بعد كلام والاجتماع والوقوف على أبواب الظلمة، والانتصاب بين أيديهم، ولباس الثياب والأجباب مفردة من غير ما يلقى على العواتق فهذه قرائن كلها باكتساب الشبهة والحرام والريبة، وتوجب التوقف والبحث، والفحص عما في أيديهم، وإن كان يحتمل أن يحصل لَهُم الحلال، بميراث، أو هدية أو صدقة، أو شراء إلى الذمة، فهو احتمال ضعيف نادر، والنادر لاحكم له".
ويقول بعد كلام: "فالهدية إليهم في أكثر الأمور رشوة، والميراث إِنَّمَا يقع إليهم في غالب الأمور من أمثالهم، ومن هو بمترلتهم، فمهما ظهرت قرينة من هذه القرائن فقد وجب التنزه والتوقف، فهو معنى قوله: وَمَن تَرَكَهَا فَقَد استبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَن رَتَعَ حَولَ الْحِمَى يُوشِكُ أَن يَقَعَ فِيه» (1).
تَخرَّج على أبي الفضل عدد جم من كبار العلماء، وتسلسلت منه أسرة شهيرة في العلم والعمل والكفاح في سبيل الله، ولعل أشهر أفراد الأسرة هو ولده: أبو محمد الله عبد أبي القاسم البرادي، كان كما يقول أبو العباس الشماخي: "شيخا عالما متفننا"، درس على مشايخ جبل دمر، ثُمَّ ارتحل إلى تونس، فدرس في المعهد الزيتوني العامر، وبلغ فيها مرتبة شهد له فيها علماء الزيتونة العظام بالنبوغ والعلم، قال بعض تلاميذه: "كنت بالزيتونة في مجلس من مجالس العلم، فأثيرت مشكلة من مشاكل اللغة العربية، فاستشكلها الأستاذ المدرس وتردد فيها، فتكلمت فيها بما حضرني، فأعجب الشيخ، جوابي فقال لي عمن أخذتها قلت عن أبي مُحمَّد البرادي، فالتفت إلى القوم وقال: لَهُم ما رأيت أعلم من البرادي، فغضب بعض الحاضرين من هذا القول، فالتفت الشيخ إلى البجيري -وكان متخصصا في العربية - فقال له: إنه يشاركك في العربية، وزيد عليك في علوم أخرى، ثُمَّ التفت إلى غيره ويقول لكل واحد منهم: "إنه يشاركك في مادة
(1) الحديث أخرجه البخاري (((52) ومسلم ((1599) بلفظ قريب عن النعمان بن بشير. (المراجع)