الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٨٧

الأباضية في موكب التاريخ

585

الأباضية في تونس

تخصصك، ويزيد عليك في علوم"، هكذا يشهد الشيخ حسين المدرس الكبير في المعهد العامر لأبي مُحمَّد وهو غائب شهادة يغار منها جماعة من العلماء، فيقرر لهم الشيخ في

صراحة أن البرادي يشارك كل واحد منهم في مادة تخصصه، ويزيد عليه في علوم. عندما أتم دراسته اختار جزيرة جربة مقرا لعمله وفيها بدأ كفاحه العلمي والديني، وطنه جبل دمر فقد تركه لأخيه أبي عبد الله محمد البرادي.

أما

قال أبو الربيع سليمان بن أبي زكرياء الفرسطائي: ارتحلت إلى جبل دمر للدراسة، فالتحقت بمدرسة أبي عبد الله البرادي، فكان هو المدرس والمفتي، والحاكم في جبل دمر، فإذا جاء أخوه أبو مُحمَّد عبد الله، رجع الدرس والفتوى والحكم إليه، وكنت أريد أن أسأله مسألة عن في الإيمان فيمنعني الحياء منه، وسألته يوما عن الإيمان فقال لي: يقول بعض العلماء أن النظر في الإيمان إلى ما يدل عليه اللفظ، ويقتضيه وقال بعضهم: النظر فيه إلى النيات وهو أولى، هذا ترجيح أبي محمد".

تولى أبو فارس عزوز الحكم في تونس ما بين 796 - 837 هـ، وكان قويا فاضلا، ذا سياسة وحكمة، جاءه بعض الناس يشيرون عليه أن يلزم أهل جربة باتباع المذهب المالكي، ويخبره أنهم لا يزالون محافظين على المذهب الإباضي، ويوهمونه أن في المذهب الإباضي بدعا تخالف الإسلام، وأن أهله لا يزالون يناوئون الحكام، وأن توحيد البلاد تحت مذهب واحد أحسن، فاستحسن الفكرة، وكان - فيما يبدو - لا يعرف شيئا عن الإباضية غير ما يقصه المتعصبون، المغرضون، فرأى أنه يجب عليه كي يتخذ الخطوة أن يزور القوم، وأن يتصل بهم، وأن يعرف منهم أصول هذا المذهب وقواعده حتى يقيم عليهم الحجة، ويلزمهم بالخروج منه، والدخول في مذهب آخر، وارتحل إلى جربة، وفي ركابه عدد جم من علماء المالكية الفضلاء، وطاف في البلد فوجد المساجد عامرة غاصة، والمدارس مزدحمة، وحلق الدروس متتابعة، وآداب الإسلام في المعاملة ظاهرة متغلبة، ولكي تتم له الصورة التي أراد أن يأخذها عن الإباضية في جربة عقد مجلسا للمناظرة، حضره جمع من علماء الجزيرة وطلاب العلم، وأثيرت بعض المشاكل العلمية، فأمر أبو مُحمَّد أحد تلاميذه بالجواب فأوضح التلميذ وأبان، وأجاب بما أقنع أبا فارس