الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٠

الإباضية في موكب التاريخ

58

نشأة المذهب الإباض

موقف الإباضية من أسواق الجمل

لَعَل من الصفات التي يمتاز بها الإباضية أنهم لا يميلون إلى كثرة الجدل، ولا يرتاحون للمناقشة الفارغة، والخصام المتعنت، ولا يشغلون أوقاتهم بترديد الأقاويل، وإطالة الأحاديث، وذلك أن قواعد الدين جعلتهم يؤمنون بقيمة الفكرة لا الكلمة ويجدون قوة الدليل في العمل لا في القول، ويعرفون أن إقامة الحجة بالسلوك أقوى منها بالدعوى، ولذلك فأنت عندما ترجع إلى أسواق الجدل ومؤتمرات الكلام في التاريخ الإسلامي الطويل، فإنك تجد الإباضية أقل الفرق كلاما وأكثرها عملا، وأخفها حديثا وأرجحها إيمانًا، وأبعدها عن الدعوى وأدناها إلى الاهتداء. وعندما انتقلت المناقشات من طور البحث عن الحق والتماس الصواب وتصحيح العقيدة إلى طور آخر هو: عقد مجالس للخصام، ومجامع للمناظرة واللعب بالكلام، والجدل للحصول على لذة الفوز في المعارك البيانية الحامية التي يقصد منها الظهور أكثر مما يقصد منها البحث عن الحقيقة، وظهر في أفق الحياة -حياة المسلمين - أولئك النفر الذين يريدون أن يملأوا الدنيا بالضجيج، ويشغلوا أذهان الناس بالقول.

الله

عندما انتقلت حياة المسلمين إلى هذا الوضع، رجع الإِبَاضِيَّة وقد آمنوا بصحة مذهبهم، وسلامة عقيدتهم، بعد أن محصوها وبنوها على الأصول من كتاب الله وسنة رسول الله، لم تدخلها بدعة أو خرافة، وعرضوا مختلف المشاكل على الميزان الذي وضعه المشرع الأكبر قبل أن يشتد اللجاج بالناس. رجع الإِباضيَّة إلى أنفسهم يحاسبونها على العمل بما عملت ويسيرون بها على نور من دين ينشرون ما ثبت عندهم بالدليل الذي لا يحتمل التأويل، في هدوء واتزان، لا يشغلون أنفسهم بالصخب الداوي الذي ليس له نتائج، ولا يلقون بأنفسهم في الكفاح الكلامي الذي يهدف إلى مظاهر العظمة والنفوذ في الدنيا، ولكنهم مع كُلّ ذلك كانوا أحرص الناس على إقامة الحق، وإثبات وعندما يقتضي الموقف الرد على أباطيل المدعين وترهات المبتدعين، وشبهات المفترين، فإن علماء الإباضية يكونون أسرع الناس إلى تحطيم الباطل، الذي يريد أن يستعلن، أو الشبهة التي يتغي صاحبها أن يكسوها ثوب الحجّة. وما أن يحطموا الباطل ويفحموا أصحابه حتى يعودوا إلى العمل في سبيلهم الذي مهدوه، وسلوكهم الذي اختاروه عمل صالح الله، والأمة، واستمساك متين بالكتاب

أدلته