الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٩٠

الأباضية في موكب التاريخ

588

الأباضية في تونس

فلان، ويختصرونه إلى بافلان فيتوهم أنهم يكنون، وعلى هذا اشتهر كثير من عظماء العلماء بكنيتهم بعلمهم في البلاد التي تغلب عليها اللهجات البربرية بالمغرب. ولأبي سليمان داود، مصنفات، نفع الله بها كثيرا من عباده المؤمنين؛ منها "شرحه على متن إيساغوجي" في المنطق، مقرر بالجامع الأعظم الزيتونة بتونس، و"شرحه على الأجرومية" قل أن تجد ممَّن أدركناه لا يحفظه عن ظهر القلب، وهو ممَّا منَّ الله علينا به من المحفوظات، وشرح المقدمة هذه، ومقدمة العقيدة، كذلك قل أن نجد ممن أدركناه من العلماء أو التلاميذ لم يكن من محفوظاته، وذلك في بلادنا وادي ميزاب، ولعل الحال في الجزيرة ونفوسة كذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه". هذا ما كتبه الإمام أبو إسحاق عن أبي سليمان التلاتي وأنا وإن كنت لا أجد شيئا جديدا أضيفه إلى كلام الإمام، غير أنني أختتم هذا الفصل الرائع بكلمة جانبية صغيرة: يبدو لي من مقارنات تاريخية كثيرة أن أبا سليمان التلاتي كان من أواخر من تولى رئاسة مجلس العزابة، وكان لغزارة علمه، وقوة شخصيته وصلابة إرادته، كأنه يقف في الميدان منفردا، يتولى جميع الشؤون، وهذا ما عبر عنه أبو إسحاق بقوله: "حتى كان في مكانته بمنزله الإمام العادل في تنفيذ الأحكام والسهر على أمن الأمة وراحتها". والحقيقة أن مجلس العزابة يقوم في أطوار الكتمان بعمل الحكومة الجمهورية، وشيخ العزابة يكون فيه بمثابة رئيس الجمهورية أو الإمام العادل ينفذ الأحكام، ويصدر الأوامر، ويتولى جميع الشؤون التي يقرها المجلس، على أن ظروف الحياة في جربة قد اضطرت مجلس العزابة أن يجري بعض التعديل على نظامه، فيخالف بذلك نظام العزابة المعروف في جبل نفوسة، ونظام العزابة المعروف عند الإباضية في الجزائر، وذلك أن المجلس يختار من غير أعضائه شيخا يسمى شيخ الحكم؛ يسند إليه القيام بالشؤون السياسية والمدنية، تحت استشارة مجلس العزابة، وهذا الشيخ أصبح لا تتوفر فيه شروط العزابة، ولا يكون عضوا في الحلقة، وإنما يكون غالبا كإمام دفاع في حالات الحرب وكواسطة بين الأمة والدول الظالمة لجمع الضرائب بالطريقة التي يقررها مجلس العزابة، ويسلمها لعمال الدول الحاكمة، وذلك حتى لا يكون التعاون المباشر بين حلقة