الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٩٧

الأباضية في موكب التاريخ

595

الأباضية في تونس

اهتمام، وقرروا أن يعقدوا اجتماعا في مسجد "تاله" المتوسط في الجبل، وأن يتجهوا إلى الله تعالى بالتضرع والدعاء أن يحمي الجزيرة وأهلها من ظلم أعداء الله.

دأب شيخا الْجَزيرة - شيخ العزابة وشيخ الحكم على العمل في بقية المدة، فكان أبو النجاة يدعو الناس إلى الاعتصام بالله وتهوين أمر المشركين، والاستخفاف بقواتهم واستعداداتهم، وكان أبو زكرياء يعمل على تسليح الناس، وتدريبهم على القتال، وإعدادهم من الناحية العسكرية، وتحقق ما توقعوه، فقد جاء الأسطول الأسباني، وهاجم الجزيرة، بأعظم أسطول عرفته البحار في ذلك الحين، فتلقاه أهل جربة الأبطال، ولم تطل

المعركة، فقد نصر الله الْمُؤمِنين، وخذل المعتدين، ورد كيدهم في نحورهم. لقد كتب كثير من الْمُؤمِنين عن هذه الموقعة، وذهبوا في تعليل انتصار جربة الأسطول الأسباني مذاهب شتى، فكان المؤرخون الغربيون ومن أخذ منهم يعللونها بن مادية صرفة لا يقبلها العقل كالجهل بطبيعة الأرض، وشدة الحر، وعطش الجند الأسباني إلى ذلك، وكان بعض المؤرخين المُسلمين يحسبونها في كرامات الأولياء والصا

الإيمان

فيجعلها بعضهم من كرامات أبي النجاة، أو استجابة للدعوات الحارة من أهل الجبل. أما القلة من المؤرخين الذين درسوها على ما عرفوه من تاريخ الإسلام، فلم يجدوا فيها شيئا غريبا يستحق التفكير، وليست هي أول حرب تقع بين الإيمان والكفر، فينتصر مع قلة عدده، وعدته وينهزم الكفر مع كثرة ما أعد. إن الأسباب التي انتصر بها المسلمون في وقعة بدر، والأسباب التي انتصروا فيها في وقعة مؤتة، وفي اليمامة، والقادسية، واليرموك، وغيرها من الوقائع، هي نفس الأسباب التي انتصر بها المسلمون في هذه الوقعة، وفي أشباهها من الوقائع، لقد تجرد المسلمون من المادية، ولم يضعوا بين أعينهم غير حقيقتين اثنتين: النصر والشهادة، وانطلقوا إلى الجهاد في سبيل الله بتلك الروح التي كان يحارب بها المسلمون في الصدر الأول، ويوالون الفتوح متجردين لنشر دين الله، وإعلاء كلمته. حارب سكان جربة على قلة عددهم وضعف مادتهم، فنصرهم الله، وأقام بهم على المُسلمين في كل عصر وفي كل مصر، إنها حادثة جديرة أن يدرسها المسلمون، وأن يستخرجوا منها الموعظة والعبرة.