الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٩٨الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أسطول يتكون من عشرين ألف جندي في مائة وعشرين سفينة، يغزو شواطئ المغرب الإسلامي، فينتصر في مراكش، والجزائر وتونس، وطرابلس، ويحتل مراسيها مرسى بعد مرسى، حتى يأتي إلى جزيرة جربة فيهاجمها بكل ما لديه من قوة وكبرياء ونشوة بالانتصارات السابقة المتوالية، فتقابله هذه الجزيرة الصغيرة بثلاثة آلاف مقاتل على أكثر ما يُمكن، مما تدعيه المصادر
بهم
الأجنبية، فيهم عدد غير قليل من شيوخ عجزة، دفعهم حب الشهادة، وأطفال مراهقون جاء الحماس، فتنتصر هذه الآلاف الثلاثة الضعيفة، التي ليس لها من قوة السلاح غير بنادق قليلة، وبعض السيوف والخناجر والعصي، وتنهزم العشرون ألفا المسلحة تسليحاً كاملاً بالبنادق، والمدافع، وما إلى ذلك من آلات الحرب والدمار؛ إِنَّهَا ليست معركة عادية بين قراصنة أسبانيا وسكان جربة، ولكنها معركة بين الإيمان والكفر، الإيمان الذي لا يعتمد على المادة، ولكن يعتمد على الروح: قُوَّةُ اللَّهِ إِنْ تَوَلَّتْ ضَعِيفًا تَعِبَتْ فِي مِرَاسِهَا الْأَقْوِيَ
أبو زكرياء السمومني
بنو سَمومن أسرة عريقة في المجد والشرف والدفاع عن الدين والوطن، وقد تولت حكم جربة باختيار العزابة ما يقرب من ثلاثة قرون، فلقد ذكر التيجاني في رحلته مع اللحياني أن رئاسة الإباضية الوهبية في ذلك الحين كانت في بني سمومن، واستمرت أحداث التاريخ تذكر بني سمومن في مشيخة جربة باختيار العزابة إلى سنة 997 هـ، حين توفي آخر شيخ من هذه الأسرة، وهو الشيخ مسعود السمومني، الذي جمع في حكمه للجزيرة بين اختيار العزابة واختيار الدولة التركية في ذلك الحين، وبعد وفاته أسندت المشيخة إلى أسرة أخرى، هي أسرة أبي جلود.
ويبدو من أحداث التاريخ أن مجلس العزابة في هذا الحين بدأ ينحل ويتخلى عن اختصاصاته، ولذلك فلم يعد يختار شيوخا للجزيرة، ومنذ بدأت أسرة ابن جلود الحكم كان توليهم عن طريق الحكومة لا عن طريق العزابة، وكان أكثرهم مناهضين للعلماء معارضين لهم.