الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦١

الإباضية في موكب التاريخ

نشأة المذهب الإباضـ

والسنة، ودؤوب لا ينقطع لإعلاء كلمة الله، يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويتبعون سبيل الله الذي حدده الإسلام، وأوضحه هدي مُحَمَّد، كفاح لا تصاحبه ضجة، ونصر لا تسبقه دعوى، ولا يعقبه تبجح أو افتخار أو مباهاة، وجدل حي هادى لا يصخب ولا يلعن؛ ولكنه يقطع

طريق التحدي عن الأهواء والبدع، ويلزم الباطل أن يتواري فلا يستعلن، ويتضاءل فلا يبين. كان واصل بن عطاء إمام المعتزلة يتوق إلى محادلة أبي عبيدة مسلم ويعد العدة لذلك، حتّى سنحت له الفرصة ذات يوم، وجمعهما مكان فقال واصل لأبي عبيدة: أنت الذي تقول: إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: لا، ولكني أقول يعذب على المقدور. ثُمَّ قال أبو عبيدة لواصل: أنت الذي تقول: إن الله تعالى يعصى باستكراه؟ فعجز واصل وسكت عن الجواب. فقيل له بعد ذلك سألته فتخلص، وسألك فسكت، فقال واصل: بنيت له بنيانًا منذ ثلاثين سنة فهدمه وهو واقف (1).

كان المعتزلة أكثر الفرق الإسلامية حبًا للجدل، ولذلك فهم لا ينفكون عن تحدي غيرهم من الفرق الإسلامية، وتحدى جماعة منهم أهل المذهب، فعقدوا مجلسًا للمناظرة، وتقدم المعتزلي الذي سهر في إعداد الأسئلة والأجوبة، فنادى ياعبد الله، فلم يجبه أحد؛ لأن المجلس يشتمل على عدد من العبادلة، فقال: عبد الله بن اللمطي الإباضي أريد، فأجابه، فقال المعتزلي: يا عبد الله، هل تستطيع أن تنتقل من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟ فقال عبد الله: لا، فقال المعتزلي: هل تستطيع أن تنتقل من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه؟ فقال: إذا شئت. فقال: "خرجت منها يا ابن اللمطي (2).

وهكذا انتقض ما بناه المعتزلي وسهر في إعداده والتفكير له ليالي سودا.

وقع في نفس الحجاج شيء من القدر فشكا ذلك إلى كاتبه يزيد بن مسلم، فبعث يزيد يسأل جابرًا وكان به معجبًا، وفيه واثقا فأجابه: "قل للأمير يكثر من ترديد خطبته، فإن فيها الجواب عما يسأل"، وردد الحجاج خطبته، وأكثر فيها التفكير، فانتبه إلى أن خطبته

الباروني: سلم العامة والمبتدئين، ص 6، هامشه رقم 1. ه 22، وقد ذكر القصة ابن الصغير والباروني في الأزهار