الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٠٠الأباضية في موكب التاريخ
598
الأباضية في تونس
عددا
من الأبطال الفرسان وانحرف عن موقفه في مواجهة العدو، إلى موقف من وراء العدو، ليقطع عنهم خط الرجعة، ولما رأى العدو أن الفرسان المسلمين قد طوقوهم من الخلف، وأنهم قطعوا عنهم خط الرجعة إلى سفنهم خارت قواهم وضعفت عزائمهم، وألقوا بأيديهم واستسلموا لمصائرهم وحاول بعضهم الفرار فابتلعه البحر.
وهكذا انتصر أبو زكرياء انتصاره الرائع الحاسم القوي، واستطاعت هذه الجزيرة الصغيرة حين اعتصمت بالإيمان، ودافعت بيقين، ووجدت قيادة حكيمة أن تحطم أضخم أسطول في ذلك الحين، الأسطول الذي احتل المرسى الكبير، واستولى على وهران، وبجاية وطرابلس وأقامت الحجة على المُسلمين الذين يخشون القوى المادية،
وأعلمتهم أن الأمة المسلمة مهما كانت قليلة وضعيفة حقيقة بالنصر ما أخلصت العمل
وتجردت عن الرغبات والشهوات، والمطالب الدنيوية.
لله
أبو يعقوب يوسف بن أبي مسور
قال فيه العلامة الشيخ سعيد التعاريتي: "كان رحمه الله إماماً مطاعاً، وقدوة مهابا"، وتكفي هذه الشهادة للدلالة على مكانة الرجل، فإن الشيخ التعاريتي من أولئك المؤرخين الذين لا ينطلق منهم الوصف إلا بعد تحقيق وتحقق، على أننا لسنا في حاجة إلى ما يطلقه المؤرخون من أوصاف على هذا الرجل العظيم، الذي كان يتمتع في عصره بما يتمتع به الإمام أو الزعيم، فقد أهله لذلك عدة أسباب، فهو حلقة في سلسلة أسرة أبي مسور التي دامت زعامتها الروحية من القرن الرابع إلى العصر الحاضر، فلم يمض في تاريخ جوبة الطويل عصر دون أن يكون فيه فرد أو أفراد من أسرة أبي مسور؛ يتولون قيادتها الروحية أو السياسية، منفردين أو مشتركين مع غيرهم، فلقد ورث أبناء أبي مسور على مختلف العصور خلقه السمح، وطبعه الكريم، وكرمه المطبوع، ودينه القويم، وعلمه الواسع، ولقد تتضاءل بعض هذه الصفات في بعض الأحيان، وتتجلى في الأحيان الأخرى.