الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٠١

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

وقد تجلت في أبي يعقوب مع قوة في الحق، وشجاعة ليس لها بين معاصريه من أهل الجزيرة مثيل، فكان لشجاعته، وقوة شخصيته وسعة علمه ومبلغ كرمه، مسموع الكلمة واسع النفوذ، قويا قوة الْمُؤمِن المحق، لا يخشى الجبابرة، ولا يطأطئ رأسه لذوي الطغيان، بل كان يُجابههم ويُحبههم.

لم يشتغل أبو يعقوب بالتدريس فيما أعلم، رغم أن التدريس هو الواجب الأول الذي يراه علماء الإباضية أوكد الواجبات عليهم، والسبب في ذلك على ما يبدو أن الجزيرة كانت في زمنه قد غصت بالعلم والعلماء فما من مدرسة أو مسجد إلا وهو يعج بالعلماء الأعلام، والطلبة الأذكياء، والتلاميذ النجباء، ولهذا السبب فقد اقتصر أبو يعقوب على التوجيه الديني، والإصلاح الإجتماعي العام، أعني أنه ترك رعاية الأطفال والشباب لغيره من المعلمين والمربين، واقتصر على رعاية الكهول والشيوخ يدعو إلى سبيل الله على بصيرة من أمره، وكان كثيرا ما يقف في وجوه الولاة الظالمين الذين لا يهمهم إلا أن يجمعوا أموالا من الناس كيفما كانت حالة الناس،

وكثيرا ما كان يدفع الضريبة المترتبة على أحدهم - إذا كان فقيرا – من ماله الخاص.

لما

عينت الدولة التركية درغوث بن علي واليا على طرابلس اهتم بأمر جربة، فذهب إليها واحتلها واقتطعها عن تونس والحقها بحكمه في طرابلس، وترك عليها واليا من قبله، ولكن الوالي الذي تركه درغوث على جزيرة جربة كان ضعيفا، فانتهز بعض العساكر والجنود الذين بقوا مع الوالي لحفظ الأمن ضعفه، فأصبحوا يرتكبون من الفظائع ما تأباه الضمائر الحرة، يقول فيهم العلامة أبو الربيع الحيلاتي: "فاشتد الحال على أهل جربة، لما أظهروا لَهُم من الشر وسفك الدماء وأخذ الأموال"، فثار أهل جربة على الوالي، وطردوه من الجزيرة، ولوا على أنفسهم عبد الله البرجي، وطلبوا من الدولة في تونس حمايتهم من عمال طرابلس وجورهم، وإرسال المدد إليهم، ولكن الدولة التونسية حينئذ كانت تحتضر، وسمع درغوث بالحركة فغضب، وجهز جيشا قويا، وارتحل إلى جربة، واستعد أهالي الجزيرة لملاقاة الجيش الزاحف إليهم، فعسكر درغوث بجيوشه الجرارة في مرسى القنطرة خارجا، وعسكر أهل جربة في "سدويكش"، وحولوا سوقهم إلى بني ديغت، وبقيت جربة تحت الحصار ثلاثة