الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٠٢الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أشهر، تضايق منه أهل الجزيرة المحصورة، وفكر جماعة من أهل الجزيرة في حل المشكلة، وقرروا أن يطلبوا مقابلة درغوث للمفاوضة في أمر الصلح، فإذا جاءهم قتلوه، وبعثوا إليه من أبلغه رغبة القوم في الصلح، وطلبهم لحضوره إليهم فوافق، بلغ خبر المكيدة إلى المشايخ، وإلى أبي يعقوب يوسف فوزنوا الأمر بميزان المصلحة العامة للأمة المسلمة، وذكروا ما لدرغوث من جهود في رد عدوان الصليبيين، وتحطيم أساطيل القرصنة، فلم يرضوا ولم يوافقوا على تنفيذ المؤامرة، وانتدبوا أبا يعقوب ليقوم بالمفاوضة في أمر الصلح، ورضي أبـ
يعقوب، واستعد للقيام بالمهمة، كما أن جميع الأهالي قد وافقوا على هذه الخطوة العادلة. ذهب أبو يعقوب إلى درغوث واتفق معه على الصلح، وذلك بأن سكان الجزيرة يسمح لدرغوث وجيشه بالدخول، وأن تعود الجزيرة إلى حكمهم على ألا يُؤذى أحد، ولا يُؤخذ مال، ولا تقتل نفس، وتخلى المدافعون الأبطال لجنود درغوث، فدخلوا البلد، ولما وجدوا أنفسهم داخل الجزيرة غرهم الشيطان فحسبوا أنفسهم فاتحين، فارتكبوا من القتل والغصب والسرقة ما يرتكبه، أمثالهم، ولم يف درغوث بالوعد، ولم يتقيد بما اتفق عليه الطرفان، فسمح لجنده أن يفعلوا ما يشاءون، وألقى القبض على شيخ الجزيرة الذي اختاره الناس عبد الله البرجي، فقتله ثُمَّ سلخ جلده، وملأه نخالة، وبعث به إلى طرابلس، واضطر الشيخ أن يعود مرة أخرى إلى درغوث ليذكره بأنه خان، عهده، وأخطأ في تقديره وفي تصرفه، وأن مشايخ الجزيرة لو سمحوا بالغدر والغيلة وخيانة العهد لكان درغوث هو المقتول قبل أن يصل إلى هذا المكان فاستحيا درغوث واستجاب لكلمة الحق، ولكن بعد أن ترك جيشه في الجزيرة أسوأ الآثار.
وارتحل درغوث إلى طرابلس، ولكن البقايا الذين تركهم في الجزيرة عادوا إلى مسلكهم، في ظلم الناس، وابتزاز الأموال، وهتك الأعراض، فتذمر الناس، وسخطوا على حكم طرابلس، وحاولوا أن يتصلوا مرة أخرى بحكومة، تونس، وسمع درغوث بهذا الحادث الجديد، فجهز جيشا آخر ودخل الجزيرة، ولم يظهر أهل الْجَزيرة أية مقاومة، فقد استنفذ العدوان السابق المتلاحق ما لديهم من وسائل المقاومة، فقد قتل رجالهم، وأخذ سلاحهم، واستترف