الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٠٣

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

أموالهم، ولذلك فما سمعوا برجوع الجيش التركي حتى تركوا منازلهم ومزارعهم، وارتحلوا إلى جوار أبي يعقوب، فسكنوا إلى جانبه على شكل لاجئين من كانت له خيمة نصب خيمته، وآوى إليها، ومن لم تكن له خيمة نصب أرديته على أعمدة، وأضاف إليها جريد النخيل، وبعض القش وسكن بها، إِنَّهَا صورة من مساكن اللاجئين الذين يطاردهم الأقوياء من بني الإنسان فيحرموهم من أموالهم وأراضيهم، ومساكنهم.

يصنع

ودخل الجيش التركي في دوي عظيم، طلقات متواصلة من المدافع والبنادق، ودقات متتابعة للطبول، وضاق الناس بهذا المظهر الصاخب، فتجمعوا على أبي يعقوب يلتمسون منه أن شيئا لإيقاف هذه الكارثة الجديدة واستجاب الرجل العظيم لطلب الناس، واستعد لمجابهة العدوان الجديد، فاتصل بالقائد الأعلى للقوات المسلحة درغوث بن علي، وطلب منه أن يأمر في الحال بإيقاف هذا الدوي الصاخب حتى تهدأ أعصاب الناس واستجاب القائد لكلمة الشيخ، فأمر بإيقاف جميع الحركات، وحينئذ طلب الشيخ من القائد أن يسير معه إلى متزله ليتفاوضا في أمر الصلح، واستجاب القائد أيضا، فتبع الشيخ إلى منزله مع بعض رجاله، وتم عقد الصلح، واتفق الرجلان على مصلحة الجميع، وتغذى القائد ورفاقه حيث رجع إلى جنده يحذره أن يرتكب أي خطأ في حق، جربة، كما فعل في الماضي؛ أما الشيخ الذي كان يعرف ما قاساه أولئك اللاجئون المساكين، الذي ملأ الرعب أفئدتهم، وما تعرضوا له من الحرمان والجوع، فقد أمر أهله أن يجعلوا من الطعام ما يُمكن أن يغاث به أولئك اللاجئون، فتم ذلك فعلا، وكانت تقدم الجفنة الكبيرة ملأى بالطعام، يحملها رجلان أو أكثر في شارية، يطوفون بها على مساكن اللاجئين، وكان الشيخ يطوف معهم وبيده مغرف، يأخذ الجفنة ويعطي لتلك الأسر المحرومة حسب أفراد عائلتها، حتى طاف على جميع تلك الخيام. أثمر الصلح هذه المرة، فلم يعد الجند إلى الاعتداء، وإنما كانوا يأخذون ما فرضوه من الضرائب على

من

الشعب المسكين فقط، حتى تغير وجه التاريخ في جربة، وانتهت تبعيتها لطرابلس، وألحقت بتونس. كان أبو يعقوب أحد العظماء من أسرة أبي مسور العريقة في جربة، هذه الأسرة التي لم تز: متميزة بالعلم والدين والجود والشجاعة منذ أسسها أبو مسور يسجا بن يصليتن اليهراسني: