الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٠٥

الأباضية في موكب التاريخ

603

الأباضية في تونس

بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى سبيل الله على بصيرة من أمره، كان لا يمل من التدريس، وكان يسجل في جميع دروسه ملاحظات وشروحا على الكتب التي يدرسها، حتى ترك لنا ثورة علمية قيمة لا تزال سندا لمَن يريد أن يطلع على كتب الإباضية، بل حتى على بعض كتب اللغة العربية التي درسها للطلبة.

كان يتولى دروس الوعظ والإرشاد في جميع مساجد الجزيرة، أما مقره فقد كان في مسجد بني لاكين، وفي هذا المسجد العامر كان يحلق عليه الطلبة المستديمون ويتلقون عنه فنون المعرفة، حتى تخرج عليه فيه عدد من فحول العلم؛ منهم: العلامة أبو محمد عبد الله بن أبي حفص، وأبو عبد الله بن أبي ستة الذي ورث عنه علمه، وخلقه وكفاحه ومجلسه، وإلى هذا المسجد كان يتوارد وفود الناس يحملون مشاكلهم وخصوماتهم، فيفصل بينهم بكتاب الله، فلقد كان يقوم فيهم مقام الإمام، وإليه انتهت رئاسة العزابة والعلماء، لا بتعيين من الولاة والأمراء، ولكن بالعلم الواسع الذي يعترف به الزملاء، ويسلمون لصاحبه محبة، وتقديرا وكان العلماء جميعا يحضرون مجلسه، ويناقشون جَمِيع شؤون الجزيرة من كل نواحيها، فيقرون ما يوافق الإسلام، ويعلنون الحرب عما

الحرف إليه الناس من بدع، أو مناكر انجر إليها الناس بطبيعة الحياة والاختلاط. كان شيخ الْجَزيرة في ذلك الحين أحد أبناء أبي الجلود، الذين توصلوا إلى الحكم عن طريق الرشوة، والكيد، وتقديم الأموال، وأقام الرجل في دار الحكم ينتظر أن يحتفل به الناس، وأن يلتفوا حوله، وأن يعمروا، مجلسه، وأن يتوددوا إليه، وأن ينقلوا إليه أخبار الناس، وأن يعرضوا عليه مشاكلهم، فلم يكن يأتيه أحد، اللهم إلا أشياخ الحارات في مواعيد الضرائب، يحملون إليه ما فرض على الناس كاملا مستوفيا دون شكوى من أحد، وبقي الرجل في فراغ، فكان يتساءل عن السبب، حتى أخبره أحد الناس أن أهل الْجَزيرَة تعودوا أن يرجعوا بمشاكلهم إلى

علمائهم الذين يتمتعون باحترامهم وتقديرهم وأن أعلم علمائهم في هذا الحين الذي يرجـ الناس إليه، هو أبو محمد عبد الله السدو يكشي، وغضب شيخ الجزيرة في نفسه، وظن أن التفاف الناس بهذا الرجل استهانة بمنصبه و مقامه، فدعاه إليه، ولما اجتمع به وسمع منه،