الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٠٦

الأباضية في موكب التاريخ

604

الأباضية في تونس

أكبره وأكبر، علمه، وأظهر له من الاحترام ما يليق بمثله، وانصرف أبو محمد من مجلس شيخ الجزيرة، ودخل الوشاة الذين لا يحلو لَهُم إلا أن يحسدوا الناس على ما آتاهم الله

من

فضل، فقالوا لابن أبي الجلود: "ما زدت أن رفعته فوق مكانه، وأصبح هو والي الجزيرة الحقيقي، ولو شاء أن يدعو الناس إلى قتلك أو غير ذلك لاستجابوا له مختارين".

،

وعملت الوشاية في صدر الوالي عملها، فدعا إليه الشيخ من جديد، وأراد أن يظهره بين الناس في مظهر المستهان به المحتقر فأمره ألا يلبس على رأسه إلا طاقية بيضاء من القماش، مثلما يلبس الأطفال، تحقيرا له وتشهيرا به وامتثل الشيخ لأمر الوالي، ولبس الطاقية البيضاء حتى اشتهرت به واشتهر بها وشاءت إرادة المولى سبحانه وتعالى أن تكون هذه العقوبة أو هذا التشهير الذي أراد به الوالي تحقير أبي مُحمَّد سبب تكريم لهذا النوع من اللباس، لذا لم يمض غير زمن قصير حتى كانت الطاقية البيضاء من القماش هي الزي الرسمي، أو اللباس الخاص برجال العلم ورجال الدين فأصبحت هي لباس العزابة والطلبة، وقد انتقلت هذه الفكرة من الجزيرة إلى الجبل، وإلى الجزائر، وإلى جميع مواطن الإباضية في المغرب الإسلامي، ولو أتيح للقارئ الكريم أن يزور وادي ميزاب في الجزائر فإنه سوف يجد جميع العزابة والطلبة لا يلبسون على رؤوسهم إلا طاقية بيضاء من القماش، فهي زيهم الرسمي الموحد، وقد احتفظ الطلبة الميزابيون بهذا الشعار في جميع مظاهر النشاط، حتى أن فرق الكشافة كانت تحتفظ به كلباس للرأس في جميع رحلاتهم ومُخيماتهم حيثما أقيمت، وكان لها من الجمال ما بعث الإعجاب في نفس رئيس الجمهورية الأول، فثنى عليها، وأبدى استحسانه لها.

أما في ليبيا فقد اختلف أمره، ففي زوارة أصبحت الطاقية البيضاء هي لباس أغلب أهالي زوارة، يفضلونها عن غيرها من ألبسة الرأس في الصيف، وصارت غير خاصة بالعزابة، أما في جبل نفوسة فقد كانت خاصة بالعزابة إلى عهد قريب، ثُمَّ شاع استعمالها بين الناس عندما انحلت نظـ العزابة في الجبل، وأصبحت هي لباس الرأس المفضل في الصيف عند أغلب الناس.

كان أبو محمد عبد الله من أولئك العلماء الذين لا يعرفون الراحة، ولا ينفكون عن العمل، فهو دائم الكفاح في سبيل الله، ينتقل من ميدان إلى ميدان قد يعقد المجلس لفصل المشاكل