الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٠٩

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

على القاهرة للدراسة، وكانت تلك الدار تحتوي على مكتبة من أنفس المكتبات، فكان يتولى الإشراف عليها، وإرشاد الطلاب إلى الاستفادة من كنوزها.

وعندما رجع إلى وطنه جربة كان بمثابة دائرة معارف حية متنقلة، فكان لا يستقر في

حي،

مكان، وَإِنَّمَا كان ينتقل من مدرسة إلى مدرسة ومن مسجد إلى مسجد، ومن حي إلى يلقي دروس العلم على طلاب العلم ودروس الوعظ والإرشاد في المجامع العامة، ويدعو الناس إلى الاستمساك بدين الله والحرص على المحافظة عليه، وكان لا ينفك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد يخيل للقارئ الكريم وهو يقرأ هذه السطور أن القيام بكل هذا كثير على رجل واحد، والواقع أن هؤلاء المكافحين الذين يبذلون كل ما

أن

عندهم من علم وقوة ووقت الله والأمة قليلون وهم أفراد في كل عصر وفي كل أمة، على أبا عبد الله كان إلى جانب ذلك يخصص وقتا للدراسة العليا، فلقد ورث عن شيخه أبي محمد السدو يكشي مجلس مسجد بن لاكين فكان يلقي فيه دروسا بين صلاتي الظهر والعصر، لجميع الطبقات، يحضره كبار العلماء، فيلقي عليهم درسا يستمر إلى صلاة العصر، ويناقشه أولئك العلماء، ويناقشهم في المشاكل التي تعرض لهم أثناء الدرس، وبعد صلاة العصر يعقد مجلسا للحكم، فيقبل عليه الناس بمشاكلهم، ومنازعاتهم، وقضاياهم، فيحكم بينهم بكتاب الله ويرضى الناس، بحكمه، وينصرفون مقتنعين بحكمه، لا ينظرون إلى حاكم، أو قاض، أو شيخ من موظفي الحكومة الذين يعتبرهم الناس آلات جعلتهم الدولة للتحكم في الأمة، فأتاحت لَهُم أن يعيشوا عالة على الأمة، يقبضون المرتبات من الدولة، ويبتزون الأموال من الناس بمختلف الطرق. يقول العلامة الشيخ سعيد التعاريتي في رسالته القيمة: "وبعد الصلاة – أي صلاة العصر - يجلس للحكم بين الناس، وله مكان يحكم فيه معلوم إلى اليوم، به مقصورة يجلس الشيخ ببابها، ويجلس الخصوم داخلها، ولا يخرج منها المحكوم عليه حتى يذعن للحق، ويستعد للأداء، ورأيت دفترا مقيدا به جميع أحكامه الصادرة منه هناك، وهي كثيرة جدا وكلها فوائد علمية وأحكام شرعية، ونوازل فقهية، رحمه الله ما أعلمه وأدقه". إن شهادة الشيخ التعاريتي وحدها كافية في الدلالة على ما للرجل من منزلة في العلم والعمل ولكننا لا بد أن نشير إلى بعض الجوانب من هذه الشخصية الفذة والفريدة في ذلك العصر.