الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٢

الإباضية في موكب التاريخ

نشأة المذهب

تشتمل على قوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، وفي الآية

الكريمة الجواب على حيرة الحجاج، فقال ليزيد: ويحك يا يزيد، ما أعلم صاحبك (2). وأراد جماعة من الخوارج - وهم يستحلون أموال المسلمين وسي نسائهم وأطفالهم- أن يُجادلوا جابرًا، فقال لهم: "أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ " فقالوا: "نعم"، فقال: "وحرم البراءة منهم بدين؟ " فقالوا: "نعم"، فقال: "أوليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ " فقالوا: "بلي"، فقال: "وحرم الله ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ " فقالوا: "نعم! "، فقال: "هل أحل ما بعد هذا بدين؟ ". فسكتوا، وهكذا استطاع أن يسير بهم خطوة خطوة حتى يضع أيديهم على الْحَقِّ، ويعرفهم أن الأحكام التي تنطبق على المسلمين ليست كالأحكام التي تنطبق على المشركين، وأن لموحد إذا ارتكب ما يحل به دمه به دمه لا يكون ذلك كافيا لاستحلال ماله نسائه وأطفاله.

وسي

إن دم الموحد قد يحل لتنفيذ حكم الله في العقوبات على بعض الجرائم الاجتماعية أو السياسية، كالقتل والزنا، وقطع الطريق والبغي، وهذه الأحكام إنما يقصد منها أولاً عقوبة المجرم على ما ارتكب، وثانيا زجر الناس عن ارتكاب مثل هذه الآثام، والعقوبة في كُلِّ أحكام الشريعة، إِنَّمَا قدرت

بالضرورة، وبنيت على الأسباب الداعية إليها، وحددت طريقة تنفيذها دون إسراف أو مبالغة. ولذلك فلا يحل أن تتعدى الحدود التي رسمت لها، وهذا المعنى دق على أفهام بعض الناس، فسألوا الإمام عليا لَمَّا ناقشوه عن وقعة الجمل، فقالوا: "حللت لنا دماء قوم وحرمت علينا أموالهم"، وهو نفس السؤال الذي وجهه أحد جند أبي الخطاب عبد الأعلى عندما احتل القيروان، فأنكر عليه أبو الخطاب هذا السؤال وزجره عنه وقال له: "لو فعلنا ذلك لكان حقيقا على الله أن يكبنا معهم في النار"

(4)

(1) سورة الأعراف: 178.

(2) راجع السير للشماخي، وشرح عقيدة التوحيد لقطب الأئمة.

) راجع المصدرين السابقين.

4) جاء في السير، ص 129، ما يلى: "وكان -رحمه الله - أحسن السيرة فيهم حين هزمهم، لم يجهز على جريح، وَلَمْ يتبع مديراً، فقال له خالد اللواتي: "نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا". قال أبو الخطاب: "حقيق على الله أن يدخلنا معهم النار، كَلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لعَنتْ أُختَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أَخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء

أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ ولَكن لا تَعْلَمُونَ (38) ثُمَّ ارتحل. اهـ بنصه.