الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦١١

الأباضية في موكب التاريخ

609

الأباضية في تونس

أبو الربيع بن أحمد الحيلاتي

قال فيه أبو عبد الله مُحمَّد أبو راس: هو شيخ مشايخ، عصره، ووحيد دهره"، وقال فيه العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت: الشيخ النحرير، العالم الكامل، مُحي ما انطمس من آثار هذه الدعوة".

ولد أبو الربيع سليمان بن أحمد الحيلاتي في أوئل القرن الحادي عشر، وتوفي آخره سنة 1099 م، وعاش أبو الربيع الحيلاتي في عصر بلغت فيه جربة من الناحية العلمية والدينية مرتبة يندر أن تصل إليها البلاد، فلقد كان القرن الحادي عشر في جربة من أزهى العصور، بما فيه من العلماء الأعلام، منهم من بلغ درجة الاجتهاد في جميع العلوم، منهم من تخصص في فرع من فروع المعرفة، هذه الكثرة من العلماء الأعلام، ومع والمؤلفين العظام، كان مقام أبي الربيع الحيلاتي ظاهرا واضحا بين أقرانه، فلقد أوتي مع ما أوتي من سعة الإطلاع، وغزارة المادة نشاطا متزايدا، وهمة دائبة، وعزيمة قوية، وحيوية متوثبة، قل أن تتوافر في شخص واحد لعل اهتمامه بسيرة السلف، وعنايته بناحية التاريخ هي الجوانب التي برز فيها، ومَيَّزَته عن غيره من علماء عصره، حتى أصبح مصدراً من مصادر التاريخ، لا يُمكن لدارسي التاريخ - لا سيما تاريخ المذهب الإباضي ورجاله – أن أن يستغني عن أبحاثه ورسائله ورواياته الكثيرة، وإذا عَنَّ لباحث أن يعد علماء التاريخ من الإباضية، فذكر البغطوري، وأبا زكرياء وأبا عمار، وأبا الربيع بن يخلف وأبا الربيع الوسياني، وأبا العباس الدرجيني، وأبا القاسم البرادي، وأبا العباس الشماخي وأبا عبد الله الباروني، فإنه ولاشك يجب أن يذكر معهم أبا الربيع الحيلاتي، ولعل الحيلاتي هو أهم من أرخ في القرن الحادي عشر. وأبو الربيع وإن كانت آثاره لا تزال متفرقة، وكثير منها غير منسق، ويحتاج إلى مجهود علمي، إلا أنها تكون مادة تاريخية دسمة لتاريخ الجزيرة على الأخص، ولقد سلك في عنايته بتاريخ جربة أساليب لم يسبق إليها، ومسالك تعد في نظري ابتكارا علميا في كتابة