الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٣

الإباضية في موكب التاريخ

61

نشأة المذهب الإباضي

الاجتهاد

أن

ذهب كثير من الفرق الإسلامية إلى إغلاق باب الاجتهاد بعد عصور معينة، حاسبين لن يأتي ناس في مستوى المجتهدين السابقين، وأَنَّهُ لَمْ يبق في الدين ميدان ينفسح للاجتهاد. وحينما حجر هؤلاء الجامدون على عقول المسلمين وأفهامهم أن تنطلق وتحلق في الميادير الفساح التي فتحها الكتاب الكريم بدعوة المؤمنين إلى الانطلاق والتحرر والتفكير، حين فعلوا

ذلك وأوقفوا تيار التفكير، جمدوا الإسلام من جهة أخرى على نظرات وبيئات وأزمنة خاصة. وقد عرف الإباضية منذ أوَّل وهلة أن هذه الفكرة الجامدة لا تتماشى مع روح الإسلام الذي يصلح لكُلِّ زمان ومكان، فَإِن الإسلام بعد أن الحدود التي لا ينبغي تخطيها أراد رسم من المسلمين أن ينطلقوا بمواهبهم وأفكارهم وعلومهم وأفهامهم في ميادين الحياة، يرودون المجاهيل، ويفتتحون المغالق وينيرون السبيل أمام أفواج البشرية في جميع الأعصار والأمصار، فلم يحجر على أواخر الأمة ما أباحه لأوائلها، والمسلمون في جميع العصور لا يتفاضلون إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، والكفاح المتواصل في سبيل الله، باستثناء شرف الصحبة لأولئك النفر الذين اختارهم الله أن يكونوا أصحاب مُحَمَّد، والدفعة الأولى التي تحمل مشعل الهداية لخير البشرية الضالة.

إن حاجة المسلمين إلى المجتهدين في العصور المتأخرة، وإلى أبحاثهم في هذه المشاكل الكثيرة، التي تعرضها الحضارات المختلفة على الأمة، أشد من حاجتها إليهم في الأزمنة السابقة، ووصول العاملين من هذه الأمة إلى الاجتهاد أيسر في هذه العصور لسهولة المواصلات، وإمكان اتصال العلماء، وحصولهم على جميع المصادر التي تساعدهم على أبحاثهم ومناقشتهم. وَلَمَّا كان الإباضية يعتقدون أن ما فتحه الله لأوائل هذه الأمة لا ينغلق عن آخرها، وأن باب الاجتهاد الذي تركه مُحَمَّد له مفتوحا على مصراعيه لا يمكن أن يغلقه فقيه مغلق الفهم، ولذلك فقد ناقشوا قضية الاجتهاد والمستوى العلمي الذي يؤهل صاحبه للقيام بهذا العبء. وهل يصح الاختصاص فيه لمن استكمل شرائط الاجتهاد في قسم دون قسم؟ لئلا