الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٢٠الأباضية في موكب التاريخ
618
الأباضية في تونس
اتجاهه.
يجب الكفاح واستودع أهل جربة دينهم وأمانتهم وخواتم أعمالهم، واستمر أوه فأرادوا أن تبقى جزيرتهم على ذلك الوضع الذي تركهم عليه رويفع، فساروا في ولَما تَمَّ فتح المملكة التونسية، وقضي القضاء الكامل على الوثنية، وأصبحت كلمة الله وخضع المغرب للدولة الأموية، بقيت جربة منعزلة عن ولاة الحكم، يقيم بعض
هي
العليا،
ترمي
مشايخها فيها حكم الله حسبما تلقوه في ذلك الحين من حملة دين الله. وتعاقب ولاة الدولة الأموية على المملكة التونسية، وتنازعوا فيما بينهم على الحكم في بعض الأحيان، وثار عليهم الناس هنا أو هناك أحيانا أخرى، وكان التراع هذه المرة داخل صفوف الْمُسلمين، يقوم به ثائرون على انحراف الولاة بالحكم عن منهاج الإسلام، أو حريصون على البقاء في حكم، أو طامعون في الوصول إليه، وبقيت جربة على الوضع الذي اختارته لنفسها، تطبق نظم الحكم الإسلامي في شؤونها الداخلية، ولا تخرج خارج الجزيرة، ولا بثقلها إلى أي جانب من الجوانب المتنازعة، فلم تشترك في الثورات الكثيرة التي تقع عن يمينها وشمالها، وإِنَّما حافظت على الحياد والسلام إلى أواخر القرن الثاني، حين التحقت راغبة طائعة بالدولة الرستمية، والسبب في بقائها إلى هذا الحين دون أن تضم إلى حكم ولاة الدولة الأموية أو ولاة الدولة العباسية أو الثائرين عليهم، هو ما كانت تلاحظه من البعد بين نظم الحكم التي جاء بها الإسلام وبين طرق الحكم التي يسير عليها أولئك الولاة في كثير من الأحيان، فقد كان واضحا أن أغلب الولاة لم يكونوا يتقيدون بالتشريع الإسلامي في معاملة الناس، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، إنَّمَا كانوا يهتمون قبل كل شيء بإقامة الدولة، والمحافظة على السلطة، ولو أدى ذلك إلى انتهاك الحرم التي صانها الإسلام.
ولقد قامت في ليبيا ثلاث إمامات مستقلة عن الدولة الأموية والدولة العباسية، وحاولت تلك الإمامات أن تعود بالحكم المنحرف إلى المنهج الذي جاء به دين الله، وشمل حكم هذه الإمامات بعضها من المملكة التونسية، إلا أن جربة بقيت مترددة لم تقدم على الانضمام إلى تلك الإمامات، و حافظت على حيادها السياسي والعسكري، ولعل شيوخ الجزيرة كانوا يرون أن البقاء على وضعهم الخاص لا يعرضهم لسخط أحد، كما أنهم كانوا يرون أن الإمامة لا يُمكن أن تستقر في ليبيا؛ لأن الطريق الطبيعي للجيوش الذاهبة من الشرق إلى الغرب، أو من الغرب إلى الشرق، ومهما
ليبيا هي