الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٢١الأباضية في موكب التاريخ
619
الأباضية في تونس
كان رأيهم في الموضوع فقد وقفوا منها موقفا سلبيا، فلم يساعدوها في حروبها؛ سواء في ذلك الحروب الواقعة في ليبيا، أو الحروب الواقعة في المملكة التونسية، كما لم يساعدوا مناهضيها في كلا البلدين، فلما تأسست الدولة الرستمية في الجزائر، وبايع الناس عبد الرحمن بن رستم بالإمامة، كانت جربة من البلدان الأولى التي استبشرت بميلاد هذه الإمامة، وسارعت إلى الانضمام إليها والدخول تحت جناحها، كما فعل أغلب الجنوب والوسط من المملكة التونسية، ولعل من الأسباب التي جعلت جربة تستبشر بميلاد هذه الإمامة الجديدة، والانضواء تحت لوائها ما يلي: 1 كان عبد الرحمن بن رستم شخصية لامعة من حملة العلم، ومن أخلص الدعاة إلى
الله
المحافظة على دين ولقد أسند إليه حكم القيروان في عهد الإمام أبي الخطاب، فكان مثالا للحاكم المسلم التريه الذي يحرص على إقامة دين الله فإذا بويع بالإمامة في الجزائر فهو خليق أن يسير بها في طريق العدول من الْمُؤْمِنِين.
2. الموقع الذي اختاره عبد الرحمن ومستشاروه ليكون مركزا للإمامة موقع ممتاز، تتوافر فيه وسائل الاستقرار لإقامة حكم عادل في دولة قوية. . كان أهالي جربة يعرفون أنهم لن يتركوا على هذا الانعزال والاستقلال دون أن يدخلوا تحت حكم دولة.
وهكذا اختارت جربة أن تكون تابعة للدولة الرستمية في الجزائر، شأنها في ذلك شأن أغلب البلاد الليبية، وأغلب المملكة التونسية، وأصبحت منذ ذلك الحين أهم حلقة اتصال بين الإباضية الموجودين في ليبيا من جهة، والإباضية الموجودين في تونس والجزائر من جهة أخرى، وكانت علاقتها بالدولة الرستمية علاقة استقرار وسلام، واطمئنان ولما كانت سياسة الدولة الرستمية تتمشى حسب تعاليم الإسلام ()، لها الإشراف العام على الأقطار التابعة لها، دون التحكم فيها
(1) يقول الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه القيم "موجز التاريخ العام للجزائر" صفحة 180: "يرأس الدولة الرستمية إمام يلقب أمير المؤمنين بيده مقاليدها، وتصاريف أمورها، وله ترجع السلطتان الزمنية والروحية، ينتخبه وجوه المدينة وزعماء المذهب، وشيوخ الدين بحرية عن غير مبالاة، ولا تقاليد، ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان يراعون فيه المعرفة والدراية والتحنك والدهاء والعدل والإنصاف يجريهما على نفسه قبل ذوي قرابته، وعلى ذوي قرابته قبل الحاشية أو عموم السكان، وأن هم رأوا اعوجا قاوموه لا بالرفق واللين وأنزلوه من أريكته من غير وجل أو أسف أو اعتبار. ويقول في الصفحة:182: "وكانوا على نزاهة تامة لا ينازعهم فيها منازع، وذمة بريئة من كل سائبة من الشوائب، وقد وردت في شأنهم في كتب تاريخية مالكية، مما يدل على عدم التعصب في ذكر الراوية وصحة النقل".