الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٢٢

الأباضية في موكب التاريخ

620

الأباضية في تونس

وفي مقدراتها، فقد كانت جربة كما كانت بلدان الوسط والجنوب التونسيين، وكما كان جبل نفوسة وغيره من البلاد الليبية التابعة للدولة الرستمية ترتبط بمركز الدولة ارتباطا روحيا أكثر مما ترتبط بها ارتباطا ماديا، فلقد كان أهالي الجزيرة كما كان غيرهم – يختارون من يتولى شؤونهم؛ فيبعثون باسمه إلى مركز الإمامة فيأتي تعيينه عليهم فيتولى أمرهم، يحكم بينهم بحكم الله، فيفصل المشاكل، ويقيم الحدود، ويرعى مصالح الأمة باسم الدولة الرستمية، ولم تكن الدولة الرستمية تجمع الأموال، أو تفرض الضرائب على الناس، وإنما كانت تجمع الزكاة على النظام الإسلامي، وتحرص على صرفها في وجوهها التي عينها الكتاب الكريم، وكانت زكاة جربة لا تخرج منها، فقد كان عامل الدولة يجمعها من أصحابها، ثُمَّ يصرفها بحرص شديد في الوجوه التي تصرف فيها الزكاة. أما الجند فرغم أن الدولة الرستمية هوجمت في كثير من الأحيان، وقامت بينها وبين الدول المجاورة لها عدة حروب، وثار عليها ثائرون خطرون، رغم كل ذلك فإنَّها كانت تعتمد في حروبها على المتطوعين للجهاد في سبيل الله، ولم تتخذ جنودا مرتزقين كما كانت تفعل غيرها من الدول التي تقوم على الاستبداد والظلم، وقصارى ما اتخذته من جند مستديم إِنَّمَا هم شرطة البلدية، وكانوا يقومون بهذه الواجبات احتسابا لما عند الله، ولا يأخذون عن عملهم هذا مقابلا كذلك بعض الشرطة الذين يقومون مقام البوليس لحفظ الأمن لا تتخذ جندا، ولا ترسلهم إلى الدولة المركزية التي لم تتخذ جيشا مقيما يتلقى رواتب من الدولة. ومهمته الحرب، وَإِنَّمَا كانت الدولة الرستمية في حربها تعتمد على المتطوعين، فعندما تثار حرب يدعى الناس إلى الجهاد في سبيل الله، أو حماية الوطن أو ما إلى ذلك، فيندفع الناس إلى القيام بذلك الواجب المقدس غير منتظرين أجرا من الدولة، أو كسبا من الحرب، فإذا رأى الإمام أن العدو المتطوع في مركز الدولة لا يكفيه للدفاع استعان بغيرهم في بقية البلاد، دون العدد، أو يحمل الناس على الحرب، مرغمين أو طامعين في مكسب دنيوي، فإذا

أن يلزمهم انتهت المعركة رجع أولئك المحاربون إلى أعمالهم الحرة. ويبدو أن الجزيرة حافظت على المبدأ الذي التزمته من قبل منذ الفتح الإسلامي، فلم

ترسل أي نجدة للدولة الرستمية في حربها الكثيرة وإنَّما احتفظت بقوتها لنفسها، كذلك لم