الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٢٣

الأباضية في موكب التاريخ

621

الأباضية في تونس

تشترك في الثورات التي قامت ضد الأغالبة في القيروان، ولم تحاول أن تنصرهم، وَإِنَّمَا حافظت على حيادها الكامل بالنسبة لهذه الدولة، ونستطيع في آخر هذا الفصل أن نلخص الحديث عن جربة في الفترة الأولى من تاريخها الإسلامي فيما يلي:

دخل الإسلام إلى جربة سنة 47 من الهجرة، على يد رويفع بن ثابت الأنصاري على أشهر الروايات، ومنذ فتحها رويفع لم يرتفع فيها صوت للكفر أو الردة، فقد رضيت الإسلام دينا، واطمانت له، وعملت به، وحافظت عليه في إطارها الداخلي، ولذلك لم تعد إليها الجيوش الإسلامية الفاتحة، التي كانت تنتقل من مكان إلى مكان، لتأديب المرتدين والعصاة؛ لأنه لم يكن في جربة مرتدون أو عصاة وكان قادة الفتح في العهود الأولى لا يهتمون بمظاهر السلطة، ولا يميلون إلى التحكم أو النفوذ، وَإِنَّمَا كل ما يعنيهم هو نشر الإسلام وأمن الدعوة إليه، فحيثما تحقق ذلك ترك أهل البلد وشأنهم، ولذلك فما افتتحوا الجزيرة وأيقنوا أن أهلها قد نبذوا الوثنية، وأسلموا أمرهم الله حتى تركوهم لشأنهم، ووجدت جربة نفسها وهي تعيش في ظل الإسلام، إِنَّهَا قد ارتاحت من عنت الكفر، ومن طغيان الرومان الذين كانوا يتحكمون فيها تحكم المستعمر الباغي، فحافظت على الإسلام والسلام، واستمرت على هذه الحالة الهادئة إلى أواخر القرن الثاني حين انضمت إلى الدولة الرستمية، ودخلت تحت رعايتها واحتمت بجناحها، ومن أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث لم تختلف الأحوال كثيرا على جربة، فقد بقي فيها النظام الإسلامي، وكان علماؤها يحرصون على تطبيقه، وكل ما حدث من فرق أن الأوامر في العهد الرستمي كانت تنفذ باسم الإمام، وأن الأعمال كانت تقام باسم الدولة، ولقد نتج عن هذا الاستقلال والاستمرار في هذه الجزيرة نتائج أتت بثمار طيبة، فقد اهتم الناس فيها بالدراسة، ونشر العلم، وبث المعرفة، فنبغ علماء فحول في هذا العصر، كانت اليد البيضاء على توجيه الناس من الناحية الدينية والاجتماعية والخلقية والسير بهم في المنهاج الإسلامي للحياة البشرية، وتكونت عدة مدارس حافظت على التراث الإسلامي المجيد طيلة قرون طويلة، ونستطيع أن نعتبر الفترة الأولى من تاريخ جربة التي تمتد ما بين 47 و 300، فترة استقلت فيها جربة