الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٢٥الأباضية في موكب التاريخ
623
الأباضية في تونس
الجبل كان لا يزال يعاني من النكبات المتوالية التي سلطت عليه، ومن أهمها آثار وقعة، مانو التي ذهب فيها خيار أبطال الجبل وعلمائه.
وعليهم
ورأى علماء جربة على ضوء الأحداث الواقعة أن يعودوا إلى نظام حياتهم في العهود السابقة، قبل أن يدخلوا تحت حكم الدولة الرستمية، فعليهم أن يحافظوا على استقلالهم الداخلي من الناحية السياسية وعليهم أن لا يحتكوا بالدولة الفاطمية التي تحاول أن تستقر، وعليهم ألا يحتكوا بالثوار الذين يُحاولون أن يقضوا على هذه الدولة الناشئة، أن يُحافظوا على جزيرتهم، وألا يتركوا أحدا من المتنازعين ليجعلها مركزا للعدوان، وكانوا يهمهم أن يعيشوا على حياد تام وفي سلام في ظل الإسلام، وهم وإن انقطع الاتصال السياسي بينهم وبين الجزائر وليبيا إلا أنهم كانوا على اتصال وثيق مستمر بإخوانهم الإباضية في كامل القطر التونسي وفي الجزائر وليبيا والفارق بين حالة الإباضية في جزيرة جربة وبين غيرهم من الإباضية في المملكة التونسية أن إباضية جربة قد عاشوا طول الفترة الماضية في حياد وأمن وسلام، لم تنلهم الحروب، ولم تستفزهم الثورات، ولم يقع عليهم اعتداء، ولم يصابوا بأضرار حرب، أما إخوانهم من الإباضية في بقية المملكة التونسية فقد كانت توجه إليهم الضربات إثر الضربات إما من الدول القائمة التي تريد أن تحكم، وإما من الثوار الذين يريدون أن يطيحوا بتلك الدول ليصلوا إلى الحكم وإما من فورات العصبية المذهبية، التي تذكيها المصلحة الفردية أحيانا، والمصلحة السياسية أحيانا أخرى. ونظم أهالي جربة حياتهم على نظامهم الخاص لا يعلنون اسم دولة جديدة، ولا ينضمون إلى دولة قائمة ولا يؤيدون الثوار الذين ينعقون في كل جهة من البلاد، فإذا التجأ إليهم ملتجئ يلتمس الحياة الهادئة، والاستقرار والسكينة، فتحوا له المجال وآووه، أما إذا أراد أن يتخذ الجزيرة مركزا للعنف والثورة، فإنهم لا يسمحون له بذلك، ويردونه عنهم بلطف، فإذا لم يستجب ردوه عنهم بعنف. وعندما كانت الدولة الفاطمية تكافح من أجل البقاء في المملكة التونسية، وتعمل جاهدة على التمكن والاستقرار، كان أهل جربة لا يهتمون بها، وَإِنَّمَا كانوا يحلمون بأنهم سوف يعيشون حياة هادئة آمنة سعيدة كتلك الحياة التي عاشوها في الفترة الأولى، لا تحكم