الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٢٦

الأباضية في موكب التاريخ

624

الأباضية في تونس

ولا ظلم ولا عدوان، ولا وثنية ولا كفر ولا عصيان ولكن هذا الحلم لم يطل، فإن الدولة الفاطمية كانت تعمل على الاستقرار لتباشر الحكم، وتستغل مكاسبه، ولذلك فما اطمانت إلى استقرارها، وثبتت دعائم حكمها في المهدية، وكونت أساطيلها البحرية القوية حتى فكرت في مباشرة الحكم على تلك البلاد التي بقيت منعزلة عنها وهكذا وجهت أسطولها إلى جزيرة جربة على حين غفلة من أهلها ودخلتها سنة 311 هـ، على يد علي بن سليمان الداعي، فأصبحت جربة بذلك خاضعة خضوعا فعليا حقيقيا للدولة الفاطمية، وذاقت جربة مرارة الحكم الظالم كما كانت تذوقه بقية البلاد، ولقد زاد في شناعة الموقف ما كانت تبثه الدعاية المغرضة التي تباعد ما أمكنها بين فرق المُسلمين، لا سيما بين الإباضية والشيعة، وكان الولاة الشيعة يرتكبون ما يرتكبون من الفواحش في جربة وفي غيرها من بلاد الإباضية، وهم أن ما يفعلونه لا تُحرمه الشريعة، بل كثيرا ما يرغبهم بعض المتعصبين المنغلقي الذهن على الانتقام من الإباضية، مستبيحا دماءهم وأموالهم، ولذلك فقد كان أولئك الولاة لا يتورعون عن شيء، وبقيت الجزيرة تحت حكم الدولة الفاطمية عشرين سنة، يتولى أمرها ولاة تعينهم حكومة المهدي، فلما ثار أبو يزيد مخلد بن كيداد صاحب الحمار، استبشر به

من

يعتقدون

الناس من جميع الطوائف الإسلامية التي كانت في المملكة التونسية، ما عدا الشيعة طبعا. وظنوا أن الخلاص من ظلم الفاطميين إنَّما يقع على يد هذا الثائر العنيد، ووقع مجمع علمي من علماء المالكية في القيروان أفتوا فيه بوجوب مناصرة أبي يزيد، ومحاربة الفاطميين بكل القوى، وبدا لأول وهلة أن أبا يزيد هذا سوف ينتصر، وسوف يقوض أركان هذه الدولة، واستمر ينتصر في مواقع كثيرة، وبلغ جربة فاحتلها سنة 331 هـ. كان أهالي جربة كغيرها من سكان المملكة التونسية، يتذمرون من ظلم الفاطميين، وتوقعوا الخلاص على يد أبي يزيد، فلما احتل أبو يزيد جربة وارتكب فيها ما لم يأذن به الله، وما لم يبلغ إليه الفاطميون، وجدوا أن ألوان الظلم تتفاوت حتى يبدو بعضه بالنسبة إلى البعض الآخر كأنه العدل المطلق، ومرت على جربة سنتان مظلمتان تحت حكم أبي يزيد الذي طرد منها عامل الدولة الفاطمية، وحكمها كما شاء له ولأتباعه الهوى، وفي سنة 335 هـ قُتل أبو يزيد الثائر العنيد، وأرجعت جربة إلى حكم الدولة الفاطمية في المهدية فوجدت نفسها تقيم على ألوان