الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٢٧الأباضية في موكب التاريخ
625
الأباضية في تونس
مختلفة من الظلم والانحراف عن حكم الله، ولذلك فقد بدأت تعمل على الثورة وتتهيأ لها، وأعدت من الوسائل ما يكفل لها النجاح، وفيما بين سنة 341 - و 350 هـ كانت قد أعدت وسائلها، واطمانت إلى نجاحها، فثارت وطردت عامل المهدية، وعادت إلى النظام الذي وضعته لنفسها من قبل بعد الفتح الإسلامي، وعاشت عليه في الفترة الأولى من تاريخها المجيد، واستمرت على ذلك الوضع إلى عهد المعز لدين الله الفاطمي الصنهاجي الذي احتل الجزيرة سنة 431 هـ، فاستباح منها جميع الحرم التي صانها الإسلام، وارتكب جريمته النكراء، فجمع خيار الأمة في الجزيرة من العلماء والزهاد وذوي الفضل والرأي فذبحهم، إِنَّهَا إحدى الجرائم التي يقدم عليها الطغاة من الحكام دون وازع من دين أو ضمير أو خلق. في هذه الفترة التاريخية التي تمتد ما بين سنة 300 إلى سنة 431 هـ، عاشت جربة ثلاثين سنة تابعة تبعية كاملة لحكم خارج عن الْجَزيرة ذاقت فيه من ألوان الظلم والقهر والجبروت ما كان يرتكبه الظالمون في البلاد التي يتغلبون عليها دون أن يحاسبهم أحد، وقد قضت سنتين من هذه الفترة تحت حكم أبي يزيد بن كيداد أما الباقي من هذه الثلاثين سنة فقد قضته تحت الحكم المباشر للدولة الفاطمية، وعاشت مائة سنة من تاريخها في هذه الفترة مستقلة استقلالا كاملا عن التبعيات تعيش فيها على النظم التي اختارتها لنفسها في الأزمنة السابقة، والتي تود أن تعيش عليها في الأزمنة اللاحقة، ما لم تتكون دول تسير على النهج الإسلامي وتحكم بدين الله. هذه خلاصة الفترة الثانية، وفيها يتضح من الأمور ما يأتي:
1. تعرض أهل جربة لما كان يتعرض له غيرهم من ويلات الحروب. 2. تكون فيهم بسبب العدوان عليهم استعداد للدفاع، وحتى للقيام بالثورات على الحكم الظالم.
حرصوا أكثر من ذي قبل على نظامهم الداخلي، وبعدهم عن الاتصال بطلاب
الحكم، وأدركوا مناسبته لمصالحهم، فاستمسكوا به في حرص واعتزاز. 4. أصبحوا يعلنون سخطهم على الانحراف بالحكم عن منهاجه الإسلامي، وينتقدون مسلك ولاة الأمر والثوار عليهم جميعا، وكان العلماء من أكثر الناس شدة في نقد
الأوضاع الفاسدة، وبيان مخالفتها للشريعة السمحة الكريمة.