الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٢٩بيده من
الأباضية في موكب التاريخ
627
الأباضية في تونـ الملك، أو كان يخشى أن تثور بعض تلك المذاهب على ظلمه وعدوانه، فأراد استئصالها قبل أن تعد العدة له، بل إن اتباعه للمذهب المالكي لم يكن مبنيا على دراسة إسلامية، ومقارنة بين المذهبين؛ الشيعي الذي نشأ عليه، والمالكي الذي اعتنقه أخيرا، وَإِنَّمَا دعاه إليه ما كان يراه من كثرة أتباع المذهب المالكي حينئذ وكرههم للشيعة، ولكي يتخذ أولئك الناس أنصارا له ويعتمد عليهم في نظامه السياسي اعتنق المذهب المالكي، وترك الشيعة في حوادث تاريخية تشبه أن تكون مسرحيات تمثيلية ذهب ضحيتها أعداد وافرة المُسلمين (1)، قد كانت فكرة قتل العلماء والصلحاء ومن يرجع إليه الناس في أمور دينهم أبشع ما ابتكرته السياسة الماكرة في عقل المعز لدين الله الفاطمي، ويبدو أن الرجل قد تجرد من الإيمان كل التجرد، حين كان يجمع أمثال أبي عمرو النميلي، وأبي محمد كموس ليذبحوا أمامه، حتى لا يجد الناس مرجعا لَهُم في أمور دينهم. لقد نتج عن تلك المذابح التي تولاها المعز في جزيرة جربة، واختار لتنفيذها خيار الْمُسلمين نتائج خطيرة .. لوث المعز يديه بالدم البريء، ورجع إلى عاصمة ملكه ليستقبل مزيدا من الثورات والمؤامرات والمكائد التي وجهت إليه من كل جانب ومكان، والتي ما كان يدبرها أو يعد لها أولئك الأبرياء الذين قتلهم ولا من يعمل بآرائهم، أما أهل الجزيرة فقد أثارت فيهم هذه القضية رد فعل شديد وبعد أن كانوا أمة مسالمة، حريصة على أن تتبع دين الله وحكمه في نفسها وفي غيرها، وأن تحافظ على الأمن والسلام في ربوعها، وأن لا تشترك في الدماء التي تراق والأموال التي تختلس والحرم التي تنتهك، بعد أن كانت حريصة على ألا تلوث يديها بما حرم الله راجعت نفسها على ضوء الأحداث التي وقعت لها، وذكرت قول الشاعر الجاهلي:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلـ
1) قال الزاوي في "تاريخ الفتح العربي في ليبيا" صفحة 195: وقضى على الشيعة ومذهبهم، وكان هذا مشجعا للناس على اصطادهم والفتك بهم، كما قضى على مذاهب الصفرية والإباضية والنكارية والمعتزلة، وحمل كل الناس على مذهب الإمام مالك".