الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٣٠الأباضية في موكب التاريخ
628
الأباضية في تونس
فخيل إليها أن في هذا المنطق الجاهلي بعض الحق، وقرر المتحمسون من شبابها أن يثوروا، وأن يرتكبوا ما يرتكبه غيرهم، وأن يعتدوا كما يعتدي الآخرون، إنه لا يكفي لعزتهم أن يردوا الظلم عنهم، وَإِنَّمَا يجب أن يقوموا بالظلم في بعض الأحيان (1)، لقد كان العلماء الأعلام يغلون أيدي العامة عن ارتكاب الجريمة وإتيان المنكر فقتل المعز أولئك العلماء وصمتت تلك الألسنة الدائبة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبحت الدعوة إلى الانتقام وإلى الأخذ بالثأر وإلى الانطلاق من قيود الحرام والشبهة دعوة يميل إليها الرأي العام فجد القوم في إعداد عدة الحرب، وبنوا أساطيل في البحر، وربوا شبابهم على فنون القتال وقبل أن تتم سبع سنوات من احتلال المعز للجزيرة كان أهلها يثورون على عامل الدولة الصنهاجية، ويرمون به وراء البحر في وجه هذه المرة لا في رفق وهدوء وسلام كما كانوا يفعلون من قبل، ولم يكتفوا بهذا بل سرحوا أساطيلهم للقرصنة، وسمحوا لشبابهم أن يرتكب ما يرتكبه غيره من التسلط على الأساطيل الضعيفة وغنيمة ما بها من الأموال فضيقوا الخناق على الدولة الصنهاجية، وحبسوا التجارة عن المهدية وهي عاصمة الصنهاجين وضاقت المذاهب على أمراء الدولة وحاولوا أن يردوا هذا المارد الذي خرج من القمقم، فلم يستطيعوا. لقد كان علماء الدين هم السحرة الذين حبسوا المارد في الجزيرة فلم يخرج منها، أما وقد قتل أولئك العلماء، وخفتت أصواتهم فلم يعد هنالك ما يحول دون المارد والانطلاق، ومضى على هذه الحال قرابة سبعين سنة من سنة 441 إلى سنة 510 هـ وفي هذه المدة تكونت طبقة أخرى من العلماء الأعلام الحريصين على مبادئ الإسلام، فكانت أصواتهم تنطلق آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، داعية إلى التمسك بدين الله، وأكثروا التنديد على أصحاب السفن التي تشترك في القرصنة، وحرموا ما كانت تأتي به من أموال فأثرت مواقفهم هذه في نفوس أصحاب الأساطيل، وفي سنة 510 هـ جهز أبو الحسن علي بن يحيى بن تميم أسطولا لغزو جربة واستعد أسطول الجزيرة للقائه، كما استعد سكانها للدفاع مهما كانت الظروف، وبقي
(1) قرأت هذا الفصل على العالم المؤرخ الشيخ سالم بن يعقوب الحربي فلم يوافق على ما ورد فيه، وقال إن ما ينسبه المؤرخون إلى أهل جربة من قيامهم بالقرصنة في هذه الفترة التاريخية لا صحة له، فإن إباضية جربة لم يستحلوا في يوم من الأيام أموال الناس ولا دماءهم وقصارى ما كانوا يفعلونه إنَّما هو الدفاع المشروع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ولم يتجازوا هذا الموقف أبداً.