الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٤

الإباضية في موكب التاريخ

62

نشأة المذهب الإبا

تتوقف الملكات والمواهب في ميدان من ميادين العلم والحياة من أجل ميدان آخر تعمل فيه

ولعل

ملكات وعقول أخرى. ما كتبه العلامة السالمي في هذا الموضوع فيه كثير من الإيضاح والتحقيق، فاستمع إليه يقول بعد أن أوضح الشروط التي يجب أن تتوفر في المجتهد، كالعلم باللغة، وأصول الدين، وأصول الفقه، ومصادر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع: "أما إذا اختل منها بعض الشروط، وكان عالما بشيء دون شَيْء، كما لو كان عالما بأدلة النكاح دون غيرها، أو بأدلة البيوع دون غيره، أو نحو ذلك، وكان متقنا بما علم منها اتقاناً تاماً. فهل يجوز له أن يجتهد في استنباط ما علم من الأحكام؟ أم لا يجوز له حتى يكون عالما بجميع أحكام الكتاب والسنة؟ ذهب الإمام الكدمي له إلى جواز ذلك، ونسب هذا القول إلى أكثر الأصوليين، وقيل: لا يجوز الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، وإن عرف من ذلك البعض الأدلة التي تتعلق بها أحكامه، وهذه المسألة معروفة عندهم بتجزي الاجتهاد، والصحيح ما عليه الإمام من جواز ذلك؛ لأنه لو اشترطنا كمال الاجتهاد في كُلّ فن بحيث لا يجهل المجتهد شيئًا من مأخذ كُلّ مسألة، للزم أن لا يجهل المجتهد شيئًا من المسائل الاجتهادية، لكمال علمه بمأخذ كُلّ مسألة، وإلا كان قاصرا، وقد سئل مالك بن أنس عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع، وقال في البقية: "لا أدرى"؛ فلولا أنه الاجتهاد في مسألة دون أخرى لما جاز له أن يجيد يصح البعض، وكذلك نقل عن بعض الصحابة التوقف في مسائل الأحكام معاذ وابن عمر وغيرهما، وكذلك عن التابعين وتابع التابعين، حَتَّى صار ذلك شعارًا في علماء الآخرة، فلو لم يكن الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض جائزا ما ثبت هذا التوقف عنهم" هكذا بكثير من السماحة والوضوح والتحرر يناقشون المشاكل مستندين إلى عمل الصحابة والتابعين، وسيرة السلف والصالحين لا يحجرون ما وسعه العلم، ولا يحرمون ما أحله الدين، ولا يتركون مشاكل العصور المتتابعة تتراكم مزدحمة على أبواب من الاجتهاد

(1)

عن

(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 278