الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٣١الأباضية في موكب التاريخ
629
الأباضية في تونس
أبو الحسن محاصرا للجزيرة أياما يهددهم بالحرب والاحتلال فيظهرون له القوة والاستعداد للدفاع وأخيرا دعاهم إلى صلح وكانت مواد الصلح أن يترك أبو الحسن الجزيرة دون أن يلحقها بحكمه، وذلك مقابل ما يأتي:
أولا: أن يكفوا أساطيلهم عن التعرض إلى السفن التجارية التي ترد إلى الثغور
الإسلامية في المملكة التونسية.
ثانيا: أن يفتحوا محال التجارة إلى المهدية التي ركدت فيها الحالة الاقتصادية. ووجد علماء الجزيرة أن هذه الشروط هي ما يجب أن تكون عليه الأمة المسلمة، فما يجوز العدوان على الإخوة، فحملو قادة الأساطيل على الموافقة، وتم الصلح على أن تبقى الجزيرة مستقلة في شؤونها الداخلية لا تتعرض لها الدولة الصنهاجية في شيء، وأن تكف أساطيل الجزيرة عن القرصنة، وأن تفتح شروط التجارة مع المهدية.
ورجع الأسطول الصنهاجي يحمل شروط الصلح، وفي كل من الطرفين بها وحافظا عليها
وحرم
وبقيت جربة على نظامها الخاص الذي عرفته من قبل، والذي سارت عليه إلى سنة 529 هـ. لقد نتجت عن هذا الصلح نتائج هامة أثرت على تاريخ الجزيرة من بعد فمنذ وقع الصلح، العلماء ما تأتي به أساطيل القرصنة، أصبحت تلك الأساطيل غير ذات جدوى، وأصبح أولئك الشباب الذين كانوا يعيشون على الكفاح في البحر، يتركون البحر والكفاح فيه، ويعرضون عنه، حتى صار غير ذي غناء لهم وبيعت تلك الأساطيل القوية المعدة للحرب ولم تبق إلا سفن الصيد الصغيرة ونشأ الجيل الجديد لا يهتم بالسفن وقيادتها، ولا يعد نفسه للحرب عليها، ولا يشتاق إلى معانقة الأمواج، ومصارعة الأثياج. ورجع أهالي جربة إلى حياتهم الوادعة التي كانوا يعيشونها منذ الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس: نظام هادئ عادل مستقر يتولى فيه أمورهم شيخ من شيوخهم بناء على ما يقرره العلماء الأعلام في مجالسهم بالمساجد، واطمأنوا إلى هذه الحياة الهادئة، التي اعتادتها الجزيرة الصغيرة الرابضة في البحر، فقد كانت حياة هنيئة سعيدة في ظل الإسلام، إلا أن
التاريخ كان يتمخض عن
أحداث
هي
أعنف مما
سبق في الجزيرة من أحداث.