الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٣٣

الأباضية في موكب التاريخ

631

الأباضية في تونس

والدهماء، واستطاعوا أن يرجعوا بهم إلى المنهج الإسلامي، ابتعاداً عن الفتنة ودعاتها، وهروباً من الظلم يقع منهم أو عليهم، وحرصاً على أحكام الإسلام في الجزيرة.

000000

خلاصة هذا العهد

هذا عهد تاريخي قرابة خمسة قرون، إذ يبتدئ سنة 47 هـ، عندما دخل الإسلام أول مرة إلى جربة فأشرقت بنور الله، ويمتد إلى سنة 529 هـ، حينما هجم عليها قراصنة الإفرنج فاحتلوها، وكانت حياة جربة طيلة هذا العهد بمختلف أطواره تعيش في إطار إسلامي نظيف، قضت منه قرنا ونصفا تابعة للدولة الرستمية وحوالي ثلاثين سنة تحت حكم الدولة الفاطمية أو العبيدية وسنتين تحت حكم أبي يزيد بن كيداد، وسبع سنوات تحت حكم الدولة الصنهاجية، أما بقية المدة من هذا العهد -وهي تقارب ثلاثة قرون- فقد كانت فيها جربة مستقلة عن غيرها من الدول استقلالا كاملا، تعيش على المنهج الإسلامي في الحياة، وبالطريقة التي اختارها علماؤها، دون أن تعلن عن قيام دولة، ودون أن تتخلى عن تنفيذ أي حكم من أحكام الإسلام. ويحق للمؤرخ الذي ينظر إلى جربة من الزاوية الإسلامية غير مهتم بمظاهر السلطة والنفوذ أن يقول: إن الفترة التي عاشتها جربة مستقلة عن تبعية غيرها من الدول كانت عهودا مشرقة بالإيمان والعمل الصالح، والتمسك بهدي مُحمَّد -عليه الصلاة والسلام-، وذلك باستثناء السبعين سنة التي اشتركت بها أساطيل الْجَزيرة في الأعمال البحرية، وأنا حين أطلق هذا الحكم العام على سبعين سنة من تاريخ الجزيرة أجد نفسي ملزما بأن أوضح للقارئ الكريم أن هذا الحكم غير دقيق، فإن السبعين سنة لم تمض كلها في الأعمال البحرية، كما أن الناس الذين يقومون بها ليسوا أهل الجزيرة كلها وَإِنَّمَا هم أفراد منها، وإلا فإن الغالب من السكان لا سيما المتدينين كانوا غير راضين عن

تلك