الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٣٥الأباضية في موكب التاريخ
633
الأباضية في تونس
وبينما كان تاريخ جربة في الاتجاه الأول مشحونا بالأحداث والجهاد المتواصل في سبيل الله والوطن، كان تاريخها في الاتجاه الثاني عبارة عن تحمل وصبر وأداء لما يطلب من أموال وضرائب، وسوف أحاول في الفصول الآتية أن أضع بين يدي القارئ الكريم صورا عن كل من الاتجاهين، مبتدئا بالاتجاه الأول.
صلحا
ف ف ف
كفاح الاستعمار الصليبي
إن جزيرة جربة الصغيرة التي ليس لها مطامع، والتي ترغب أن تعيش في هدوء وسلام، أرغمتها ظروف الحياة إلى أن تخرج من عزلتها، وأن تكون أسطولا تهدد به بعض الموانئ، وتحطم السفن، وتصارع الأساطيل، فجاءها أمير المهدية علي بن يحيى، وعرض عليها بحسن الجوار، ووقف العدوان، والتبادل التجاري، فرضيت الجزيرة بالصلح فأمنت من العدوان واطمأنت إلى السلام وفيما هي تنام في أحضان الطمأنينة فاجأها أسطول بحري قوي لدولة حاقدة على الإسلام والمُسلمين، فقد جهز حاكم صقلية روجار أسطولا ضخما واتَّجَه به إلى الْجَزيرة الوادعة الآمنة، فلم تستيقظ حتى كان الإفرنج قد احتلوها، وأصبحوا يجوبون شوارعها، ويعيثون فيها فسادا تنادى السكان إلى الدفاع، وقاتلوا قتالا عنيفا؛ تكبدوا فيه خسائر لا تُحصى، إلا أنهم غلبوا على أمرهم، واستكانوا على رغمهم، وخضعوا لحكم النور ماند.
جعل النورماند من جزيرة جربة مركزا لتموين أساطيلهم وإمدادها بما تحتاج إليه في عدوانها من عتاد وسلاح، كما اتخذوها ملجأ لَهُم من العواصف البحرية، وانتظر أهل جربة أن يخف أحد لنجدتهم، ولكن لم يسستين لَهُم في الأفق شيء، فقد كانت الأساطيل الإفرنجية تسيطر على البحر الأبيض المتوسط، وكانت تهاجم السواحل الإسلامية كل يوم، وكان حسن الصنهاجي صاحب المهدية مشغولا بالدفاع عن نفسه وعن