الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٣٦

الأباضية في موكب التاريخ

634

الأباضية في تونس

مركز دولته، ولما طال بقاء النوماند في الجزيرة، وأيقن أهلها أنه لا مدد يأتيهم من الخارج، وأن بلادهم أصبحت مركزا للعدوان منها تنطلق أساطيل القرصنة، فكر أهالي جربة في الثورة، ونظموا أمرهم، ثُمَّ تداعوا إلى الثورة سنة 548 هـ، فانتصروا على الحامية التي تركها الإفرنج هنالك، وقتلوا منهم عددا عظيما، وأخرجوا باقيهم من الجزيرة. وعندما ترامت فلول المنهزمين إلى صقلية، وبلغت تفاصيل الأخبار إلى ملكهم، غضب غضبا شديدا، وجهز أعظم أسطول عرفته القرصنة البحرية في ذلك الحين ثُمَّ وجهه إلى جربة، وتلقى أهالي الجزيرة ذلك الأسطول الضخم بنية مستميتة في الدفاع، وعزم مصمم على النضال، وقعت معركة من تلك المعارك الهائلة، التي تتناثر فيها الأشلاء البشرية دون حساب أو تقدير وتغلبت القوة والكثرة، وقتل أهل الْجَزيرة حتى لم يكد يبقى فيهم من يقوى على حمل السلاح، وأخذ كثير من أهلها أسرى فبيعوا في أسواق إيطاليا وصقلية عبيدا، وخفتت في الجزيرة تلك الأصوات التي كانت تطن في أجواف الليل بالدعاء وتلاوة القرآن، وتملأ المساجد في النهار بدروس العلم، ودروس الوعظ والإرشاد، وبدت الجزيرة كأنها في غفوة طويلة، لا تبدو عليها حركة أو حياة.

بقي الإفرنج في الجزيرة إلى سنة 555 هـ، حين قدم عبد الْمُؤمن بن علي فساعد الجزيرة على طرد أولئك المستعمرين الدخلاء، كما طردهم من غيرها من الثغور الإسلامية، وأدخل الجزيرة تحت حكمه، وما خرج الإفرنج من الجزيرة حتى بدأت تعاودها الحياة، وتدب في نواحيها الحركة وأخذ الناس يباشرون أعمالهم العادية، وكان أولئك الذين فروا يعودون إليها، وبدأت المنازل تعمر من جديد، وانبعثت الحركة في الأسواق.

بقيت جربة تابعة لدولة الموحدين إلى سنة 725 هـ، حين استقل أبو زكرياء الأول الحفصي بالحكم في تونس، فانتقلت جربة إلى نظره، وصارت تابعة للدولة الحفصية، يحكمونها بواسطة الولاة.

واحقيقة أن تبعية الْجَزيرة للموحدين في الأول أو الحفصيين في الآخر إنَّما هي تبعية اسمية وكل ما يربط بين التابع والمتبوع إنَّما هي مبالغ من المال، يأخذها عامل الدولة في جربة برسم