الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٣٧

الْمُؤْمِن

الأباضية في موكب التاريخ

635

الأباضية في تونس

الضرائب، ويسلمها للدولة المركزية في تونس، ورغم أن جربة رضيت بهذه التبعية للحكم في، تونس، وَلَم تُحاول أن تنفصل عنه، رغم كل ذلك فإن الحكام في تونس كان لا يعنيهم من الجزيرة إلا مبالغ المال تدفع لَهُم من حين إلى حين، وكثيرا ما كان الولاة يستضعفون الحكومة المركزية فيستبدون بالأمر، ويختصون بالحكم، ويحتفظون بالأموال لأنفسهم، أما الدفاع عن الجزيرة وحمايتها من عدوان القرصنة الإفرنجية فذلك ما لم تهتم به تلك الدول المتعاقبة على حكم البلاد، اللهم إلا مرات قلائل سوف يجد القارئ الكريم إحصاءها في بعض الفصول الآتية. وبقيت جربة من سنة الأحماس 555 هـ التي خرج فيها النصارى من جربة على يد عبد بن علي، ومساعدته للسكان إلى سنة 688 هـ، حيث احتلها الإفرنج من جديد احتلالا كاملا، واستقروا فيها لمدة طويلة امتدت إلى نصف قرن. عندما خرج الإفرنج من السواحل التونسية سنة 555 هـ - لم يقفوا عن العدوان، وَإِنَّمَا كانوا يصرون على احتلالها من جديد، ولذلك فقد كانت أساطيلهم لا تنفك عن مهاجمة هذه السواحل كلما أمكنتهم الفرصة، وبقيت جربة من سنة 555 إلى سنة 688 هـ -أي مدة قرن وثلث وهي تصارع الأساطيل الإفرنجية منفردة، رغم أنها كانت تدفع الضرائب الباهظة والمبالغ الجمة من المال، إلى أولئك الولاة الذين يتمرغون في النعيم بما يبتزونه من أموال الناس ويخلعون على أنفسهم أعظم ألقاب الحكم والنفوذ، وطال على الجزيرة الصغيرة أمد الكفاح، وأكلت الحرب رجالها، وكان أبطالها المغاوير يتناقصون في كل موقعة، وكان الجهاد المتواصل في سبيل الله يستنفذ ما لديهم من قوة بشرية وقوة مادية. واستمرت الجزيرة على طريقتها في دفاع العدو، يهاجمونها، فتردهم على أعقابهم، وقد يتغلبون عليها مؤقتا فيدخلون الجزيرة، ولكنها سرعان ما تثور بهم فتقذف بهم وراء البحر، وفي سنة 688 هـ جهز الإفرنج أساطيل ضخمة، وعملوا على احتلال الجزيرة احتلالا ثابتا يستقرون فيه، وهجموا عليها بتلك القوى، وكان أبطال الدفاع عن الجزيرة قد أكلتهم الحرب، فتغلب الإفرنج عليها، وجعلوا برج القشتيل مركزا لهم، وبقيت الجزيرة تحت حكمهم إلى سنة 738 هـ، أي أنها بقيت تحت الاستعمار الصليبي نصف قرن كامل،