الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٣٩

الأباضية في موكب التاريخ

637

الأباضية في تونس

وترامى إلى سمع الإفرنج انشغال الملك الحفصي ببلاد الجريد بعيدا عن السواحل التونسية، وكانت فكرة الاستيلاء على السواحل، واتخاذها مراكز للقرصنة ما تزال تشغل أذهان الإفرنج من مدة طويلة قد قاموا من أجل ذلك بعدة محاولات كما أسلفنا في هذا الكتاب، وكان نصيبهم في تلك المحاولات إما فشل ذريع، وإما نجاح مؤقت لا يلبث أن يؤول إلى الإخفاق، وفي هذه الفترة قد تكونت لديهم أساطيل ضخمة، وعدد هائل من المحاربين المدربين على القتال في البر والبحر، وكانت القوة الحربية للمملكة التونسية مشغولة في الدواخل خطر لَهُم أن الاستلاء على موقع استراتيجي في السواحل الإسلامية يجعل البحر الأبيض المتوسط تحت سيطرتهم، وكان أصلح مكان لهذا التركز وأيسره في نظرهم هي جزيرة جربة، هذه الجزيرة الصغيرة المحصورة، التي لا يُمكن أن يأتيها المدد إلا عن طريق البحر، والبحر سوف يكون تحت سيطرتهم، ورقابتهم ولا يوجد من يرسل إليهم نجدة سوى ملك الحضرة أبي فارس، وأبو فارس مشغول هو وجيشه في بلاد الجريد، وهكذا ضمنوا النجاح فيما بدا لَهُم فجهزوا أسطولَهُم القوي، واندفعوا في البحر ينشدون أناشيد النصر المرتقب، وهم يتجهون إلى الجزيرة الصغيرة الرابضة في البحر.

اجتمع المشايخ في الْجَزيرة في أسرع وقت، وطرحوا الموضوع للنقاش، ما هو الموقف الحكيم الذي يجب أن تقفه هذه الجزيرة الصغيرة الضعيفة المعزولة عن العالم أمام هذا الأسطول القوي المجهز بأحدث أنواع الأسلحة؟.

قال قائل: رُبَّما يكون الاستسلام أهون الشرين فارتفعت أصوات الإنكار على صاحب هذا الرأي، وأجيب بأن موتهم جميعا، وخراب الجزيرة أهون وأكرم من الاستسلام لأولئك القراصنة، وبعد استعراض أوجه الموقف الذي هم فيه وتبادل الآراء، اتفقوا على اتخاذ الخطوتين الآتيتين: الأولى: أن ينتظرو نزول الجيش المحارب إلى الأرض، وعندئذ يهبون بكل ما لديهم

من وسائل إلى الدفاع عن دينهم، وشرفهم ووطنهم، وألا يُمكنوا العدو - مهما كانت الخسائر، ومهما كان عدد القتلى من التقدم، فإن الجيش المحارب إذا تمكن من التقدم

-