الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٤٠

الأباضية في موكب التاريخ

638

الأباضية في تونس

بمختلف

والوصول إلى الأحياء السكنية التي يعمرها الضعاف من النساء والأطفال والعجزة جرأهم ذلك على المزيد من التقدم، وتمكنوا من الإثخان في القتلى، وسهل عليهم العدوان أشكاله على أولئك الضعاف، كما أن العملية الحربية إذا بلغت إلى هذا الحد فإِنَّهَا تعني انتصار الفريق المتقدم لا محالة، وبعث ذلك الفشل في عزائم المناضلين، فإنهم إذا رأوا أسلحة العدو تقع على النساء والأطفال، ورأوا العلوج يتوغلون في المدينة، فإنهم يحاولون أن ينقذوا ما يُمكن إنقاذه؛ إما بالفرار أو بالتسليم، وهذا يعني الهزيمة. الثانية: أن يرسلوا بأسرع ما يُمكن رسولا يحمل الخبر إلى أبي فارس في بلاد الجريد، ويطلب منه الإسراع بالنجدة ما أمكن ونفذت الفكرتان في الحال، فانطلق رسولُهُم إلى الجريد يستصرخ أبا فارس، وانطلق المشايخ يجمعون الناس، ويحثونهم على الجهاد في سبيل الله، ويتقدمونهم في ذلك، وما سمع الناس بخبر هجوم العدو، ودعوة المشايخ إلى لقائه، حتى انطلقوا إلى ميدان المعركة بكل ما لديهم من قوة، قوة الإيمان الله والثقة بنصر

ووقع اللقاء، وصبر الأبطال للجلاد، وبذل العدو ما ملك من جهد ليتقدم خطوة فلم يستطع، ولكن أملا كان يداعب غروره، فهو يعتقد أنه سوف يمتد به البقاء في الْجَزيرَة، وأنه سيطيل الحصار لها، وأنه سيحاربهم حرب مطاولة، ما دام يسد عليهم ثغور الجزيرة، وليس من نجدة تأتيهم من الخارج، واستمرت النيران مشتعلة بين الفريقين، وكان القتلى يتساقطون من جيش العدو في تتابع واستمرار فإن الضربة حينما يوجهها المسلم إلى جيش العدو المتكاثف المرصوص لابد أن تهوي بقتيل، أما الطلقات الإفرنجية التي يطلقها العدو بإسراف دون هدف، فإنها كانت لا تزيد عن إحداث مزيد من الضحيج، وإثارة غبار يتصاعد إلى عنان السماء.

وثبت المسلمون في وجه العدو، وكانت كفتهم هي الراجحة طول الوقت، رغم ما يتمتع به العدو من القوة والكثرة، واحتفظ المسلمون بمراكزهم ولم يُحاولوا التقدم، وبينما كان القتال على أشد ما يكون، وكان القتلى من العدو يتهاوون، وصلت النجدة إلى أهالي الْجَزيرَة في وقت لم يكونوا يتوقعون وصولها، ولم يكن العدو يتوقعها.