الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٥الإباضية في موكب التاريخ
63
نشأة المذهب الإباضـ
أغلقتها أفهام بليدة، لتعود هذه المشاكل القهقرى لتتطلب الأحكام من علماء قد بليت عظامهم، وفنيت أنظارهم واستوفوا آجالهم منذ قرون مديدة.
وإِنَّهُ لَممَّا
يبعث على انشراح قلوب المؤمنين أن أدرك أكثر علماء المسلمين في هذا العصر صواب هذه النظرة عند الإباضية، فانتفضوا يقطعون هذه السلاسل التي كبلت فرقا من المسلمين عصوراً طويلة، ويكسرون هذه الأبواب التي أغلقت دون الانطلاق في سماء التفكير والاجتهاد ويقتحمون هذا الميدان المحجور الذي خصصته النظرة الجامدة متحفا للموتى، ويبيحون للمسلمين ما أباحه الله لهم، بل وندبهم إلى السباق فيه فقال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُل فرقة مِّنْهُمْ طائفة ليتفقهوا في الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
ومن
المحقق
(1) ،
أَنه ليس مطلوبا من هذه الطائفة التي تُدعى لحمل رسالة الله وتفقيه المسلمين في
الدين، وإنذارهم عندما يستكملون عدة الدعاة من الإيمان والعلم والعمل؛ ليس مطلوبا من هذه الطائفة أن يكونوا حملة لمسائل جافة، وقضايا مسلمة، يختزنونها في ذواكر جامدة كأنها ا طبعة مكررة لكتب محفوظة، فإن أمثال هؤلاء لا يصح أن يوصفوا بالفقه، ولا يستطيعون الإنذار، ولا يقوون على حمل رسالة الله.
وقد يكون الأستاذ الإمام من أوائل من حطم الجمود، وحمل لواء الثورة على الرجعية الدينية التي تحكمت في المسلمين عدة قرون وتوقفت بهم دون تقدم، تنظر في حيرة وارتباك إلى موكب الحياة تتغلغل بالبشرية في أطواء الزمن، ودعا إلى التحرر من هذا القيد الذي كبل به جهلة الفقهاء انطلاقة الفهم الإسلامي العميق لأحداث الزمن وتطورات الحياة. كُل الإباضية منذ العصر الأوَّل ممَّن وعى هذه الحقيقة، وفهم روح الإسلام التي دعا إليها في الكتاب الكريم، وهدي رسوله القويم في توجيهه لأصحابه رضوان الله عليهم- كما فعل الله مع معاذ بن جبل، حتّى حمد الله على توفيق رسول رسول الله، فلم يسمحوا لهذا القيد أن يغل أيديهم، ولهذا الحجر أن يقف دون انطلاقهم، ولهذا الجمود أن يسيطر على عقولهم وأفهامهم
حمد
(1) سورة التوبة: 122.