الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٤١

الأباضية في موكب التاريخ

639

الأباضية في تونس

إن الملك الحازم أبا فارس ما سمع أن العدو هجم فعلا على الجزيرة، وأنه ينوي احتلالها، حتى تخلى عن جميع الشؤون التي ذهب من أجلها إلى الجريد، وطار بجيشه إلى جربة، ولما كان يعرف أن الدخول بالسفن والقوارب عن طريق البحر أمر مستحيل في ذلك الحين، فقد دخل هو جيشه خوضا في البحر عن طريق "تاربلة"، ولم يعلم المسلمون حتى وصلهم المدد، ووجدوا سواعد إخوانهم تمتد لإعانتهم وتساعدهم، وما رأى العدو المدد يصل إلى المُسلمين، وتتقوى صفوهم به، ويدخل إلى الميدان محاربون جدد، جد مشتاقين إلى شرف الشهادة، أو شرف النصر، حتى وقع في قلوبهم الرعب، وانكفأوا على أعقابهم منهزمين فركب المسلمون ظهورهم يقتلون فريقا، ويأسرون فريقا، ويغنمون ما يقع تحت أيديهم من سلاح ومال، وقد رأى قادة الحرب في تلك الموقعة أن يثخنوا في القتل، حتى يكون ذلك موعظة للمعتدين، فلا تحدثهم أنفسهم بالعودة، ثُمَّ اجتمع الجزيرة وجند أبي فارس فجمعوا رؤوس القتلى، وبنوا بها برجا عظيما، سموه "برج الجماجم"، حتى يبقى ذكرى لهذه الموقعة الرائعة، ولقد بقي هذا البرج من سنة 835 هـ إلى سنة 1264 هـ، حيث نقلت الجماجم ودفنت وبني في مكانها نصب تذكاري سمي برج الجماجم"، عليه رخامة نقش عليها تاريخ الموقعة، وتاريخ دفن الجماجم. الله كانت هذه الحادثة إحدى الحوادث الخالدة لأهالي جزيرة جربة الأبطال، على إهداء والدين والوطن ..

أهل

كان الجربيون أشد الناس محبة للسلام وحرصا عليه فلما اضطرتهم الظروف إلى الوقوف في ميادين القتال، أثبتوا أنهم أشد الناس صبرا على المكروه، وأقواهم احتمالا، وأعرفهم بالتفكير المقترن في الحوادث السود، وأشجعهم في أوقات المحنة، لقد عرفوا كيف يستلون النصر، ويؤدبون المعتدين، ويبرهنون للعالم أجمع شرقه وغربه أنهم أمة تحب السلام ما وجدت إليه سبيلا، فإذا شمرت للحرب فإنَّهَا أمة لا تعرف التردد، ولا ترهب النضال، إنه لا شيء يبعث الخوف إلى نفسها، وفي هذه الحادثة برهان صادق على ما نقول،

وسوف تأتي شواهد كثيرة على ذلك.