الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٤٢الأباضية في موكب التاريخ
640
الأباضية في تونس
لقد يخطر لبعض القراء الكرام أن أهالي جربة ما انتصروا في هذه الموقعة إلا بفضل تجدة أبي فارس، فالفضل في هذا الانتصار الرائع راجع إليه، ونحن لا ننكر فضل هذا الملك الحازم، لا في هذه الموقعة ولا في غيرها من المواقع التي كان له فيها يد في أي مكان، ولا شك أن أبا فارس يعتبر من خيرة من ولي الحكم في المملكة التونسية، ومن أكثرهم حزما ونشاطا، وغيرة وحفاظا، كما لا تنكر فضل أي ملك أو أمير قدم للأمة أو للوطن أية خدمة في أي جانب من البلاد الإسلامية الشاسعة، ولكننا حين نرجع إلى هذه الموقعة بالذات التي تم فيها النصر للجربيين على الإفرنج بمساعدة أبي فارس، نرى أن أكبر الفضل أولا وأخيرا إنَّما يرجع إلى أهل الجزيرة، إلى أولئك الأبطال الذين كان لَهُم من قوة الإيمان والصبر، ومضاء العزيمة وصدق الإرادة، ما جعلهم يصممون على الوقوف في وجه عدو، لا نسبة بين ما أعده لمحاربتهم من عدة وعتاد، وبين ما لديهم من عدة كليلة، وأعداد قليلة، ثُمَّ يقفون فعلا في وجهه كالسد المنيع، رغم أنه تمكن من حصرهم في الْجَزيرة وسد عليهم منافذ الرزق والحياة، وحال دونهم ودون الاتصال بالعالم الخارجي فيما يحسب، ولولا إيمانهم بالله وثقتهم في نصره، وما يتحلون به من شجاعة، وثبات ورباطة جأش، لما وقفوا هذا الموقف المشرف، فجابهوا العدو، وردوه على أعقابه، ولما سجلوا هذا اليوم الإسلامي العظيم على أعداء الله.
يوم من أيام الإسلام على الصليبية
مرت على الإنسانية في البحر الأبيض المتوسط عهود نستطيع أن نسميها عهود القرصنة، إنَّهَا عهود مخجلة، تحمل الخزي والعار في أحداثها، ولكن المؤرخ وهو يستعرض الحياة البشرية، لابد أن يمر بها. لقد تكونت أساطيل ضخمة تُجهزها دول كبرى وتباركها كنائس تنتسب إلى المسيحية السمحة، وليس الغرض من تلك الأساطيل حماية الممالك ولا الدفاع عنها، ولا حتى إثبات