الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٤٣الأباضية في موكب التاريخ
641
الأباضية في تونس
النفوذ وإقرار الحكم، وَإِنَّمَا الغرض منها أولا السرقة والغصب، واختطاف الناس، وبيعهم في الأسواق عبيدا، ثُمَّ بعد ذلك الانتقام أو التشفي، أو تبريد حرارة الحقد الذي تشبعت به بعض النفوس في جنوب أوروبا لا سيما أسبانيا، فهي تحتل الثغور، وتمتلك الموانئ، لتجعل منها مراكز اعتداء، تُهاجم منها البلاد والسفن البحرية، حتى السفن التجارية، وقوارب الصيد الصغيرة، وكم ينتفخ قادة تلك الأساطيل كبرا وإعجابا بالنفس عندما يتغلبون على ما يقع بين أيديهم من سفن تجارية أو حربية؛ فيأخذون ما فيها من أموال وبضائع، ويسبون من بها من الناس فيتخذونهم عبيدا، يجدفون لَهُم في سفنهم تحت السياط والعذاب، أو يبيعونهم في الأسواق ليقبضوا تمنهم ذهبا وفضة ونشطت القرصنة الصليبية في القرون الوسطى، تباركها بعض الكنائس المتعصبة، وتساعدها الدول الصليبية الحاقدة، حتى كادت تلك القرصنة أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط، وحتى أصبحت التجارة البحرية تحت رحمة تلك الأساطيل، التي لا تنفك تمخر عباب البحر باستمرار. استطاعت القرصنة في أوائل القرن العاشر أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط تحكما كاملا، فقد كانت الأساطيل الأسبانية تنطلق من شواطئ أوروبا مجهزة بكل وسائل القتال، لتقتنص ما تجده في البحر من سفن إسلامية، أو لتهاجم ثغور المغرب الإسلامي، لتختلس منها ما يسهل، اختلاسه أو تقيم فيها مراكز للعدوان وتأيدت هذه الحركة بفرسان القديس يوحنا الذين تؤيدهم الكنيسة وتبارك، أعمالهم، والذين سَمح لَهُم بأن يتخذوا من "مالطة" الجزيرة البحرية القريبة من الشواطئ الإسلامية، مركز انطلاق عدوان.
هاجمت أساطيل القرصنة الإفرنجية متعاونة موانئ المَغرِب الإسلامي، فاحتلتها ميناء بعد ميناء، بدأوها من المغرب الأقصى، وساروا معها حتى احتلوا طرابلس سنة 916 هـ، ولم يبق من موانئ المغرب الإسلامي بعد احتلال طرابلس إلا جزيرة جربة، وقد تركوها من قبل واهتموا بغيرها، إنهم كانوا يظنُّونَها لقمة سائغة سهلة الازدراد، فهي جزيرة صغيرة
منكمشة في البحر، لا قوة لها ولا مدد يأتيها، إن احتلالها لا يتجاوز بضع ساعات.