الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٤٤الأباضية في موكب التاريخ
642
الأباضية في تونس
انفلت القرصان الكبير بدرو نافارو بأسطول يتكون من اثني عشرة سفينة إلى جزيرة جربة، وفي اليوم التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة 916 هـ وقف أسطول عتيد على مداخل جربة، ونزل منه زورق صغير يحمل رسالة إلى شيخ الجزيرة أبي زكرياء يحيى السمومني. وقف الرسول أمام الشيخ في اعتداد السارق الوقح وطلب من الشيخ باسم قائد الأسطول أحد أمرين: إما تسليم الجزيرة وإما القتال، فأجاب الشيخ بأن الجزيرة لن تسلم نفسها، وأن عليه أن يخبر قائده بأن الجزيرة مستعدة للدفاع عن دينها وكرامتها، وأرضها، وأنهم لن يسمحوا لقدم أن تطأ ترابهم إلا إذا أصبحوا جثثا هامدة.
قلبه،
وصمم
أن
وعرف الرسول التصميم في عزيمة الشيخ، ورأى الإصرار والتحدي على الحاضرين، فرجع إلى "بدرو نافارو" ينقل إليه ما سمع وما رأى، وفكر القرصان الكبير طويلا في الموضوع، أيقدم على الحرب أم يعود أدراجه ليزيد في قوته ما يضمن له النصر؟ وكان الغيظ والحنق يأكلان ويحملانه على الإقدام ولكن صوت العقل والحكمة قد تغلب عليه فيما زعم وعزم، فجر أسطوله دون أن يعرضه لهذه التجربة، ورجع إلى طرابلس يجر أذيال الخيبة، يضم إليه من القوة ما يكفل له تحطيم هذه الجزيرة العتيدة تحطيما لا تقوم لها من بعده قائمة. عد كثير من المؤرخين هذا الموقف نصرا للجزيرة، وهزيمة للمعتدين، فإن الأسطول إنَّمَا جاء للجزيرة لاحتلالها لا للاستطلاع، ولكن الموقف الصامد الذي وقفه شيخ الْجَزيرَة، والتصميم الأكيد على الدفاع، ووضوح الإصرار على المقاومة الذي كان يتجلى على أقوال وحركات الجربيين، هي الأسباب التي ملأت قلب القرصان الكبير خوفا ورعبا فأقلع راجعا، إنها بالتأكيد هزيمة له، فإذا لم تكن هزيمة مادية فهي هزيمة معنوية. وصل أسطول "بدرو نافارو" إلى طرابلس، والتحقت به بقية القطع البحرية والأساطيل الإفرنجية، التي كانت تجوب البحر الأبيض المتوسط، فتكون منها أسطول ضخم، قوامه مائة وعشرون سفينة، تحمل عشرين ألفا المقاتلين المدربين على القتال، وأقلع من الأسطول متجها إلى جربة، فبلغها يوم الخميس 23 جمادى الأولى، وفي صبيحة الجمعة نزلت
الجيوش الجرارة من سفنها، وزحفت على ساحل الجزيرة، كما تزحف أرجال الجراد.