الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٤٥

الأباضية في موكب التاريخ

643

من

الأباضية في تونس

وبين

ثلاثة

عشرون ألفا كما تذكر المصادر الإسلامية، أو خمسة عشر ألفا كما يزعم مؤرخو الإفرنج المقاتلين المدججين بأنواع السلاح المعدين للحرب المزودين بأحدث ما ابتكره من الإنسان من وسائل التدمير لذلك العصر، يهجمون على جزيرة صغيرة محصورة ضيقة، ليس لها مدد إلا من الله، لا يبلغ عدد سكانها من الرجال والنساء والأطفال ثلاثين ألفا. ما هو عدد المحاربين الذين تستطيع هذه الجزيرة أن تعده للدفاع؟ لقد حاول مؤرخو الإفرنج في تلك الفترة أن يرتفعوا بعدد الجربيين المحاربين إلى أقصى ما يُمكن أن يقبله العقل، فقالوا: إن الجربيين قد أعدوا لهذه المعركة ثلاثة آلاف مقاتل، فما هي النتيجة التي يتوقعها القارئ الكريم لمعركة بين عشرين ألفا الجنود المدربين المسلحين آلاف محارب كثير منهم لم يحملوا السلاح من قبل، وفيهم نسبة كبرى من شيوخ عجزة وصبيان مراهقين حملهم الحماس والغيرة على الإقدام. نظم المسلمون محاربيهم في صف واحد مستقيم، يمتد إلى اليمين وإلى اليسار وتقدموا لمقابلة العدو، وهم عازمون على الصبر والثبات إلى النصر الكامل، أو الاستشهاد الكامل، وقال أحد الذين يدعون إلى الاستماتة في الدفاع: إنه يجب أن لا تطيش ضرباتنا، إذ يجب أن نقتل من العدو أكثر ما يُمكن، فلا أقل أن يقتل كل رجل من المُسلمين رجلا من المشركين، أما الشيء الذي لا يحل لنا حتى مجرد تذكره أو التفكير فيه، إنَّما هو التسليم أو الفرار من الزحف، إنه لو بقي منا فرد واحد لوجب عليه أن يثبت في القتال، وأن يحارب حتى يقتل، إنه لا يجوز لأحد من المُسلمين أن يفر في هذه المعركة، فإذا قدر لنا أن ننتصر فذلك ما نأمله ونرجوه، وإذا قدر لنا أن نخسر المعركة فلا أقل من أن نكبد العدو خسارة تزيد عن عددنا. اعتمد الإفرنج أول ما اعتمدوا على الجانب المادي من القوى، وعلى إظهار العدة، فأكثروا قبل بدء المعركة من الضوضاء والصخب وإطلاق البنادق والمدافع، وإنشاد

الأناشيد الحربية بالآلات الموسيقية الصاخبة، إلى آخر ما لديهم من وسائل التهويش. أما المسلمون فليس لديهم من القوة إلا قوة الإيمان، والرغبة الملحة في الحصول على شرف الاستشهاد في سبيل الله، ولذلك فقد اعتمدوا على القوة الروحية، التي تدفع جوارحهم إلى العمل، فكانت جوارحهم تنطلق بالتكبير، وكانت أرجلهم تتسابق إلى الميدان دون استعراض