الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٤٦

الأباضية في موكب التاريخ

644

الأباضية في تونس

المسافة

لحركات الرشاقة، وموازنة الخطا التي تفصل بين الفريقين في مراكز الإعجاب بالنفس، وكانت التي تفصل بين الفريقين في مراكز التجمع الأول تقدر بستة أميال، وكان المسلمون لا ينفكون يرسلون من يستطلع لَهُم أحوال العدو وتحركاته، فلما ورد إليهم الخبر أن العدو يهم بالزحف إليهم، والهجوم عليهم، اندفعوا إلى لقائه والاصطدام به وكان الإفرنج قد رتبوا جنودهم في صفوف متراصة صفا وراء صف، حتى إذا هلك الأول أو انهزم تقدم الذي يليه، وتراجع الصف الأول الذي كان في المقدمة إلى المؤخرة، حتى يكون على استعداد للنجدة والتقدم إذا لزم الأمر، وهي مبالغة في الاحتياط حسب تقدير أولئك القواد. واصطدم الفريقان الاصطدام الأول، فوقعت رجة عند المُسلمين، صبروا لها وثبتوا واستماتوا في النضال، حتى لانت بين أيديهم الأيدي المقاتلة من الصف الأول من عدوهم، فانهزم وتقهقر، وتقدم الصف الذي يليه، لمعاضدته وسد الخلل الذي وقع فيه، ووقعت من تقدمه رجة أخرى عنيفة عند المُسلمين ثبتوا لها وصبروا وكان البطل أبو الربيع سليمان بن يحيى السمومني يقاتل بما أوتي من همة وشجاعة في جناح الجيش، وفي نفس الوقت كان يلاحظ بعيني المحارب اليقظ تحركات العدو، وموقف المُسلمين منها، فلما رأى تلك الصفوف المتراصة التي يعضد بعضها بعضا، في الحين الذي لا يقابلها من جانب المُسلمين إلا صف واحد من الرجال، إذا قتل واحد منهم ترك في مكانه ثغرة لا تسد، وخشي إذا بقيت جيوش العدو على هذا التنظيم أن تستطيع زحزحة الصف الإسلامي الوحيد، أو أن يحدث ثغرة في بعض جهاته، وإذا وقع ذلك وليس له ما يعضده من خلفه فهنالك الكارثة، ولذلك فقد عرف أن النصر لا يكون إلا بإحداث ارتباك في صفوف العدو، وخطرت له فكرة! .. فنفذها في الحال. لقد انسل من بين المقاتلين، واختار معه عددا من الفرسان الشجعان، ثُمَّ انعطف بهم إلى جانب، ودخل بهم وراء صفوف العدو بين الجيوش المقاتلة، والأسطول الجاثم في البحر، وكان جند الإفرنج وقادتهم يعتقدون أنهم آمنون من الخلف فليس بينهم وبين سفنهم أي خطر، وتراجع المحاربون الذين كانوا في الصف الأول على مهل، ليكونوا وراء الجيوش المقاتلة حسب تنظيمهم ليكونوا الصف الأخير، وليأخذوا قسطا من الراحة بعد العناء الذي