الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٤٧

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

لاقوه في الاندفاعة الأولى، ويستعدوا إذا ما وصلهم الدور الثاني لو تمكن المسلمون من دحر بقية الصفوف، وهو ما لا يتوقعون حدوثه أبدا، فما كانوا يعتقدون أن المسلمين يصبرون لَهُم ساعة، وما وصلوا مؤخرة الجند، ليريحوا سواعدهم المكدودة فقد أنهك الخوف قواهم وشل الرعب أعصابهم حتى واجهتهم فرسان المسلمين التي يقودها أبو الربيع، تدفع في نحورهم بالموت الزؤام، وذعروا، فقد كانوا يعتقدون أنهم فروا من الموت، ونجوا من أيدي أولئك المُسلمين الذين ينطلق الموت من أيديهم دون سلاح، فإذا بهم يفاجأون من جديد وفركوا أعينهم من الدهشة يتأكدون من الحقيقة، فلما أيقنوا بها ظنوا أنهم أخذوا، وأن المُسلمين قد أحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، فهاهم يلاقونهم إذا تقدموا وها هم يلاقونهم إذا تأخروا إنهم أين اتجهوا لم يروا إلا أشباح الموت تنطلق من صفوف المُسلمين، وحاصوا حيصة الْحُمُر يفاجئها سبع صيود، وارتبكوا فيما بينهم، بعضهم يريد أن يتقدم، وبعضهم يريد أن يتأخر، وبعضهم يجري إلى اليمين وبعضهم يجري إلى اليسار، وسرى هذا الارتباك إلى صفوف المقاتلين، وعم جميع طوابير الجيش، فوقعت هذه الحركة بين صفوف الجند الذين لم يروا وجه العدو بعد، فامتلأوا خوفا، وقذف في قلوبهم الرعب وحسبوا أنهم وقعوا من المُسلِمِين بين نارين، نار تترصدهم من الأمام ونار تسوقهم من الخلف، فبلغ بهم الوهن أقصاه، وألقوا بالسلاح، وجعلوا يلتمسون السبل للفرار، إنه ليس بين أيديهم إلا الموت أو الفرار، ولم تعد تجدي فيهم أوامر القادة أو إنذاراتهم، فولوا معرضين والواحد منهم يقتل رفيقه إن اعترض سبيله، أو عاقه عن المسير، وركب المسلمون ظهورهم يقتلونهم، وهم يسيرون على غير هدى، حتى تراموا في البحر، وحال بينهم ظلام الليل، وعندما ارتفعت عنهم أيدي الْمُؤْمِنِين، كان الخوف والتعب قد بلغا منهم أشد ما يبلغ الخوف بقلب الجبان، والتعب بجسم العليل، فتهاووا على الأرض، يريحون بقية الأجسام المكدورة، والقلوب المخلوعة، ورقدوا على ساحل البحر لأنهم لم يهتدوا إلى مواقع السفن، فقد ربط الرعب أيديهم

وأرجلهم، وأعمى أبصارهم، فلم يستطيعوا أن يتبينوا مواقعها ليلتجئوا إليها.