الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٤٨

11

الأباضية في موكب التاريخ

وبينما هم

646

الأباضية في تونس يغطون في نوم عميق، صورت الأحلام المزعجة لأحدهم أن المُسلمين يأخذون بخناقهم، ويهجمون عليهم في الظلام الدامس في موقعهم ذلك، فاستيقظ مرعوبا، وأخذ يصيح ويطلب النجدة، فاستيقظ القوم على صياحه وهم أشباه السكارى من ثقل النوم والتعب والخوف، فجعلوا يتجارون في الظلام الحالك على غير هدى لا يعرفون اتجاهم، ولا يرون مواقع أقدامهم، وكانوا يترامون في البحر طمعا في أن يصلوا إلى سفنهم، أو أن يحميهم من سيوف المُسلمين فيما يحسبون، وكان البحر يبتلع في هدوء وسكينة حتى لم يبق منهم إلا

ميهم الماء

القليل، وعند الصباح كانت الأمواج تتلاعب بجثث منتفخة، وأنواع من الملابس المختلفة. وتجمعت فلول الجيش الغازي في بقايا السفن يلتمسون البعد عن هذه الجزيرة، التي لقنتهم درسا لا يُمكن أن ينسى وألحقت بهم فضيحة وعار في العالمين الشرقي والغربي، ولكن إرادة الله كانت لا تزال تخبئ لَهُم مفاجآت ممَّا أعده الله للتنكيل بالمعتدين، فقد هبت عواصف شديدة منعت الأسطول من التحرك، وأغرقت عددا منها، وبعد أسبوع هدأت العاصفة، فأقلع الأسطول يجر أذيال الخيبة، تاركا من ورائه ثلاثة آلاف قتيل، وثماني عشرة سفينة، وعددا كبيرا من الأسرى، هو بطبيعة الحال أكثر من عدد القتلى، وقد قدره بعض المؤرخين بما يترواح بين ستة وسبعة آلاف شخص، فيهم عدد كبير من الأسرى الذين غنمتهم الأساطيل الإفرنجية في بعض المواقع السابقة، فحملتهم معها ليجدفوا لها على السفن، أو ليباعوا في الأسواق، فوجد أولئك الأسرى فرصتهم المناسبة فكانوا يفرون من السفن الإفرنجية في الليل، ويلتحقون بالمُسلمين ناقلين إليهم أخبار عدوهم، وما هو فيه من الحسرة والغيظ والألم.

هذه خلاصة الحادثة، ولعله يكون من المناسب أن أنقل في آخر هذا الفصل شواهد مِمَّا كتبه المؤرخون المسلمون:

يقول أبو عبد الله محمد أبو راس الجربي:

ورجع عليهم المسلمون، وحملوا عليهم من كل جهة وجانب حملة رجل واحد، وأعلنوا كلمة التوحيد، ووضعوا فيهم السيف فلم يبق منهم إلا القليل فأسروهم، ولم يرجع منهم أحد إلى سفنهم، وبتقدير الحكيم العزيز أرسل الله على سفنهم ريحا عقيما، فتكسرت من