الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٥٢

الأباضية في موكب التاريخ

650

الأباضية في تونس

تبرير موقف أهل جربة في قتل الرسل بأسلوبه الشيق البليغ وأنا أشك في صحة هذه الصورة، وأعتقد أنها صورة وضعها كتاب الإفرنج حتى يوهموا القراء الكرام حتى في هذه الظروف العصيبة أن الإفرنج يلتزمون الأساليب المتبعة بين المتحاربين، وأنهم قد سلكوا المسلك الإنساني حين أنذروا أهل جربة وطلبوهم للمفاوضة، ولكن أهل جربة قد ارتكبوا حماقة بقتلهم الرسل، مما يدل على أنهم أمة لا تعرف أساليب التعامل مع الأصدقاء أو الأعداء، وأنها تجهل أصول السلوك، فهي لا تحترم حتى الرسول الذي لا ذنب له في الموقف، والذي تجمع آداب الحروب على احترامه وعدم التعرض له بالأذى. وعلى كل حال فبينما ينساق الأستاذ الباروني مع هذه الرواية ويقتنع بها ويُحاول أن يبرر منها بعض المواقف، نجد غيره من المؤرخين المُسلمين يقصون علينا هذه القصة كما يلي:

يقول أبو عبد الله محمد أبو راس الجربي في كتابه "مؤنس الأحبة" صفحة 106: "فترلت فلُوكَة (الزورق الصغير) وفيها رجل من طرف رئيس الإفرنج، ومعه كتاب للشيخ يخاطبه فيه على أن يسلم له الْجَزيرة أو القتال، فأجابه بأن له رغبة في القتال، وأغلظ له في الخطاب، فلما بلغ الجواب استعد لتزول البحر، فتحول المسلمون إلى قربهم عند قصر مسعود، فنظر أعداء الله إلى كثرة المُسلمين، وعلموا أن لا طاقة لهم بقتالهم، فانصرفوا راجعين إلى طرابلس". وجاء في الوثيقة التي نشرها المرزوقي في ملاحق "مؤنس الأحبة" صفحة 137 ما يلي: "فلما اتصل خبرها بالشيخ أبي زكرياء شيخ الجزيرة وعاملها -حفظه الله-، وهو إذ ذاك بالقشتيل، مشى إليها وكثير من الناس معه فلما قاربها وقع بينه وبين النصارى تراسل و كلام يؤول معناه إلى أنهم طلبوا من الشيخ أعزه الله - شروطا يأبى طبعه من إعطائها أن يفعلها، وإلا فليتهيأ للحرب والقتال، وأنه حفظه الله - أراهم من نفسه

القوة، وأنه لا يكترث ولا يعبأ بهم ولو أتوا بأضعاف ما وراءهم، فغضبوا لذلك". وجاء في رسالة عن سلامة الجناوني ما يلي: "ولما وصل الإفرنج إلى الجزيرة أنزلوا قاربا يحمل رسولا إلى شيخ الحكم في الجزيرة - الشيخ أبي زكرياء السمومني، في مجلسه حينئذ شيخ مشايخنا أبو النجاة، التعاريتي، فلما وصل رسول الإفرنج قال

وكان