الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٦٥٤

الأباضية في موكب التاريخ

652

الأباضية في تونس

حقيقة وخيال

في مقدمة هذا الفصل أنقل لك وصفا رائعا كتبه الأستاذ عمر الباروني في حديثه عن مهاجمة "بدر" ونافارو" لجزيرة جربة، قال الباروني في كتابه "الأسبان وفرسان القديس يوحنا" (صفحة 53) ما يلي: "

وفي الصباح الباكر من يوم الجمعة نزل الجنود من السفن وهاجموا السواحل سيرا على الأقدام، وسط مياه البحر القليلة العمق، وكان هذا اليوم حارا شديد الحرارة، ولم تكن قرب السواحل، آباراً، أو صهاريج يستقي منها العسكر، واضطر بعضهم أن يشتري كأس الماء بعشرة قروش طرابلسية، وتحرك الجيش الأسباني بعد أن انتظمت فرقه قاصدة مهاجمة البلدة، وكان الجيش الأسباني يتكون من أحد عشر طابورا، ونصب أمام الجنود في الوسط مدفعان كبيران،

واثنان آخران من الحجم المتوسط، وكلف رجال البحرية بسحب هذه المدافع إلى الأمام. وبعد أن قطع الجيش الأسباني شوطا من الطريق بدأ الإعياء يظهر جليا على الجند، واشتد العطش بين الرجال، وعلى الأخص الذين كلفوا بسحب البطاريات وبراميل البارود، واختل النظام، ولم يعد في مقدور الضباط أن يرجعوا النظام إلى نصابه، اشتد العطش وبدأ الجنود يلهثون لهث الكلاب الصادية، ويتساقطون أمواتا. أما دون قراشيا الطليطلي الذي لبس درع المذهب، وتسلم قيادة الجيش، فكان يشجع بأن أمامهم الآبار الفياضة والمياه الفضية الباردة، والظل الظليل، تحت

رجاله، ويعدهم أشجار النخل والزيتون.

وتشجع الجيش قليلا طائعا أو مكرها، وتعثر الجند في خطواتهم بين اليأس والرجاء، وقطعوا ما أمامهم من أرض رملية، وهم ينتظرون أن يروا بعدها ما وعدوا به، ليطفئوا غلهم، ويرووا ظمأهم من ماء الجزيرة البارد الفضي، فلم يروا شيئا، ولم يصادفوا في طريقهم أي شخص صديقا كان أو عدوا، وكان لهذا الأثر الكبير في تثبيط هممهم، والقضاء على معنوياتهم، وكم كان سرور الأسبان كبيرا عند ما بدت أمامهم خضرة أشجار الزيتون،