الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٥٥الأباضية في موكب التاريخ
653
الأباضية في تونس
وأيقنوا أنهم سالمون حقا من الموت عطشا، وأن كثيرا أو قليلا مما وعدوا به قد تجلى وظهر، كان الوقت ظهرا عندما وصل الجنود غابات الزيتون في جزيرة جربة، وكانت الشمس حارة تلفح الأرض، وتشوي الوجوه والأجسام، إِنَّهَا شمس أغوستو في الشمال الإفريقي دون شذوذ عن المعتاد، ووجد الجنود وسط هذه الغابات وعلى قارعة الطرق الآبار فعلا غير مقفلة أو، مردومة ومياهها الصافية النقية الباردة تكاد تدعو الأسباني أن يلقي بنفسه فيها حتى يرتوي، ولكن عرب الجزيرة أشفقوا عليه من الارتماء في أحضان البئر، فتركوا قرب هذه الآبار جرات وقللا، فارغة وقدرا كافيا من الحبال لتساعد الجنود الأسبان المساكين ورد الماء، واستخراجه من الآبار دون مشقة وعناء. يا لها من إنسانية ثعلب … !! ولكن أين عرب الجزيرة يا ترى؟ هل تركوا أرض أجدادهم الجيش المغير، وغادروا ربوع جزيرتهم عندما صاح صائحهم: الأسبان ..
عندما صبحهم الأسطول .. الأسطول؟ ..
بدت جربة مقفرة من السكان جرداء من الحياة، وظن الأسبان أنهم بمنجي من العدو، وأنهم قادمون على اكتساح أرض لا يسكنها إنسان، فاختلت صفوفهم، وتركوا مراكزهم، وفقدوا شعورهم أمام منظر الآبار والقلل والجرار، وتشتتوا في جلبة وضوضاء، معركة حامية بين الجند أنفسهم لافتكاك الجرار، وإلقائها في الآبار للحصول على قطرة من الماء. ولم يترك عرب جربة جزيرتهم غداة ظهور الأسبان أمام سواحلهم، بل وضعوا خطة حكيمة للقضاء على الجيش المغير على الرغم من قلة عددهم ونقص أموالهم، فلقد استعد سكان جربة قرب هذه الآبار للانقضاض على الأسبان عندما يتهافتون على الماء، وتختل صفوفهم، وتبدو عليهم، الفوضى كانت فرصة مؤاتية لعرب الجزيرة، فلقد انقضوا على الأسبان في شدة وعنف، وطوقوهم من كل مكان ونزلوا عليهم ضربا بالسيوف والرماح، ولم تنزل جرعة الماء بعد إلى أجوافهم، ولم تهدأ المعركة التي أضرموها بينهم على الماء"، انتهى ما أردت نقله. وصف الأستاذ الباروني. لا شك أن الأستاذ الباروني قد اعتمد كل الاعتماد في هذا الوصف على المصادر
الإفرنجية، وأنا وإن لم أقرأ هذا في كتبهم أكاد ألمس أقلامهم، بل بعض تعابيرهم رغم