الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٥٦الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
التعريب ويبدو أن الأستاذ الباروني إذا لم يكن قد ترجم هذا الوصف بالفعل عن بعض كتبهم، فإنه قد وثق به وصدقه حتى صاغه في هذا الأسلوب الرائع الجميل. وأنت أيها القارئ الكريم إذا قرأت ما نقلته لك من وصف الأستاذ الباروني على أنه قطعة من الأدب العربي في الوصف، فلا شك أن تجد فيها من المتعة والروعة وجمال الأسلوب ما يشوق ويروق، وإذا أردت أن تقرأها على أنها قصة فإنك أيضا واجد فيها من سعة الخيال، وبراعة الوصف، وجمال الأسلوب، ما يدعوك إلى قراءتها، والإعجاب بها، أما إذا أردت أن تخرج منها بحقائق تاريخية، وتقرأها على أنها وصف لواقعة من وقائع الحرب، فإن في ذلك مجالا للبحث والمناقشة.
هزيمتهم
عشرين
لقد كان لتغلب جربة على الأسطول الأسباني في ذلك الحين صدى بعيد، وبقدر ما فرح به المسلمون، وتألم له الصليبيون الحاقدون، وخجل منه ملوك أوربا المتغطرسون، وأسف له رجال الكنيسة المتعصبون، بقدر ذلك كله حاول كتاب الإفرنج ومؤرخوهم أن يخففوا من أثر الصدمة عليهم، وأن يجعلوا سبب هزيمتهم خارجا عن إرادة البشرية، وكانوا يلتمسون أسبابا مهما كانت واهية يعللون بها إخفاق الأسطول، حتى لا يكون مرد إِنَّمَا هو بطولة أبناء جربة، وموقفهم الصلب في الدفاع، وقد لفقوا كثيرا من القصص ليخففوا بها آثار الفضيحة في زعمهم فحاولوا أن يقللوا عدد الجند الأسباني، من ألفا إلى خمسة عشر ألفا أو أقل، وحاولوا أن يضخموا من عدد المُسلمين إلى أقصى ما يصدقه العقل، فزعموا أنهم جهزوا ثلاثة آلاف، فارس، ثُمَّ جعلوا يصورون هذه الجزيرة الصغيرة كأنها صحراء وسط إفريقيا، أو الربع الخالي من جزيرة العرب، وجعلوا الإعياء يستولي على الجند، ويتمكن منهم العطش حتى يسقط بعضهم ميتا، ويضطر آخرون إلى أن يشتروا كأس الماء بعشرة قروش طرابلسية، ولم يكفهم هذا الخيال حتى جعلوا أهل الجزيرة يعرفون مقدما ما سيصيب الأسباني من إعياء وعطش فيضعون بناء على ذلك خطة يستطيعون بها التغلب على عدوهم، وذلك بأن يتركوا الآبار مفتوحة، ويضعون عليها المقادير الكافية من الجرار والحبال، ليتنازع عليها الجند الأسباني حينما يشتد بهم العطش، ويتقاتلوا فينقض عليهم الجربيون في سهولة ويسر.