الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٥٧إن
أميال،
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
إنه تخطيط لمعركة على الورق، خططها خيال خصب حتى تكون أسباب هزيمة الجيش الأسباني الكبير إِنَّمَا نتجت عن التعب والعطش وشدة الحر، واختلاف الجند على الشراب، ووقوعهم في فخ منصوب بحكمة وخبرة ودراسة وهذه القصة يبدو سخفها واضحا إذا وضعت أمام الحقائق. المسافة التي كانت تفصل بين الجيشين قبل أن يتحركا للقتال كانت لا تتجاوز ستة وهي مسافة لا يتعب من قطعها الرجل العادي، فما بالك بالجندي المدرب على الصبر والاحتمال، ثُمَّ إن هؤلاء الجنود قد دربوا على أن يسيروا أياما متوالية، فكيف يتعبون من سير نصف يوم أو أقل، ويقول بعض الكتاب: إن الجند كانوا يتساقطون قتلى من العطش، فهل من المعقول أن يبلغ الحال بالجيش إلى هذا الحد، ويستمر القادة دون أن يتخذوا أي شيء لإسعاف القوم أو إراحتهم، ويزعمون أن بعضهم يشتري كأس الماء بعشرة قروش فممن كانوا يشترونها يا ترى؟
وقد صور الأستاذ الباروني دخول الأسبان إلى الجزيرة كأنهم يتوغلون في صحراء قاحلة، ويسيرون حتى يملوا السير، دون أن تبدو لأعينهم خضرة أو يجدوا ماء، أو يروا إنسانا، ولا يسعني أزاء هذه الصورة التي وضعها الأستاذ الباروني إلا أن أضع بجانبها صورة أخرى وضعها مؤلف تونسي يعرف جزيرة جربة حق المعرفة، هو الأستاذ محمد المرزوقي، قال في كتاب: "مؤنس الأحبة" صفحة 145:
" من أعجب الظواهر في جزيرة جربة أن الزائر لَها لأول مرة يؤخذ بجمال مناظرها الطبيعية الساحرة، فمجرد اقترابه من شواطئها تظهر له غابات الزيتون الخضراء، وجذوع النخل الباسقة أمام عينيه يحركها النسيم، والبحر حواليها ترقص أمواجه لرقصها، وتهتز أواديه لاهتزازها، ويتزل الزائر لأرضها فلا يجد غالبا أثراً للسكان بل لا يكاد يرى أحدا، كأن الحياة معدومة فيها"، ويقول بعد كلام ولكنه لا يكاد يخطو خطوات داخل هذه الأشجار الخضراء حتى تنبثق له من بينها بناية بيضاء لامعة لمعان شمس جربة الضاحية، ذات قباب صغيرة، وأبراج قائمة على زواياها كأنها حصن من الحصون وبجانب هذا الحصن تجد البئر الروية؛ تمتد منها الجداول الصغيرة الملتوية التي تعطي الماء لأنواع الخضر والغلال".