الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٥٨الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
هذه هي الصورة الحقيقية لجربة، وهي مناقضة تمام المناقضة للصورة التي وضعها لها الأستاذ الباروني، التي أحسب أنه اقتبسها عن كاتب غربي كان يصف جربة وهو يسرح بخياله الخصب في صحاري إفريقيا. أما
خرافة أعداد الجرار والحبال على الآبار، والاستعداد حولها إلى آخر ما جاد به الخيال الخصب، فهي عكس ما تقتضيه عكس ما تقتضيه المكائد الحربية، ويبدو أن سكان جربة الكرام لم يفكروا في قضية الماء والعطش، ولم يخطر على بالهم أن هذا الجيش المجهز بكل شيء يغفل عن الماء فلا يأخذ معه المقدار الكافي، ولذلك فلم يهتموا بالآبار، وبقيت صهاريجهم الموزعة في الجزيرة على مسافات مختلفة، حسب احتياجات السكان على حالها، ما كان منها مغلقا بقي مغلقا، وما كان مفتوحا وعليه الجرار والحبال بقي كذلك، ولو خطر لَهُم أن العدو قد يحتاج إلى الماء، وأنه سيصاب بالعطش، لأغلقوا تلك الصهاريج والآبار، أو غوروها حتى لا يتمكن العدو من الشراب، وتغوير الآبار وتفويت الماء على العدو طريقة متبعة معروفة بين الجيوش المتقاتلة منذ أقدم العصور، وأول من استعملها في الإسلام رسول الله الله في غزوة بدر، بإشارة من سيدنا الحباب بن المنذر.
جاء في سيرة بن هشام صفحة 62 ما يلي: "فقال أي الحباب-: يا رسول الله فإن هذا ليس بمترل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثُمَّ نغور ما وراءه من القلب، ثُمَّ نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثُمَّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله: «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْي» (1).
فكيف يخطر لقادة جربة أن يفتحوا آبارهم ويضعوا عليها الحبال والجرار، ويمكنوا عدوهم من الشراب توقعا أن يقع بين جند العدو نزاع على الماء. إِنَّهَا صورة شعرية زخرفها خيال كاتب لم يعرف جربة، ولم يشترك في حرب، وقد اعتمد عليها الأستاذ الباروني دون أن يتناولها بالنقد على ضوء الأحداث والمواقع والوقائع، وأنا في هذه المناقشة لا أزعم أن الأستاذ الكبير قد ارتكب في حق جربة خطأ تاريخيا، فإن هذا
(1) أخرجه ابن سعد في طبقاته (567/ 3)، والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ر 0802، 482/ 3. (المراجع)