الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٦٦٢الأباضية في موكب التاريخ
660
الأباضية في تونس
أما المسلمون وقد رأوا نتيجة الثقة بالله والصبر عند اللقاء، والرغبة في الاستشهاد، فقد استخفوا بالإفرنج وما لديهم من قوة وزال من قلوبهم ذلك الخوف الذي بعثته فيها الدعاية
الواسعة عن قوة الإفرنج، وضخامة أساطيلهم، وامتلأت قلوبهم شجاعة وجرأة وإقداماً. وقد انبنى على الفكرتين معا تجربة أخرى، فقد فكر القائد الأسباني أن يلم فلول جيشه، وأن يجمع أساطيله المعطوبة في الجزيرة الصغيرة "لمبدوشا"، وحاول أن ينفخ روح الحياة في تلك الهياكل المتحركة، وأن يرد لتلك الأخشاب العائمة فوق الماء قوة السفن الحربية، وأراد أن يجهز من مجموع ذلك أسطولا يمخر عباب البحر، وكان في الحقيقة يعلم أن المقاتلين الذين لم يكتب لَهُم أن يقتلوا في جربة، وخرجوا منها أشباحا متحركة قد أصيبوا في قلوبهم، فما عادت لَهُم قلوب تقوى على مُجابهة الأحداث ومقابلة الأعداء، ومقارعة الأبطال، ولكنه كان يعتقد أن الدعاية قد تأتي بنتيجة، فهو لا يزال ينفخ فيها الروح، ويعمل على أن يعيد الحياة إلى تلك الأشباح ليكون منها بشرا يتحركون، وهو من جهة أخرى كان يرسل على مختلف الألسنة والوسائل دعاية هائلة وإشاعات طويلة عريضة عن الأسطول الجديد، وعن الضربة الهائلة التي سوف يوجهها إلى بعض الثغور الإسلامية، في ذلك لا يعين الثغر الذي سوف يقصده، أو الميناء الذي سوف يصدمه، وإنَّما يرسل هكذا دعاية طويلة عريضة، يرمي من ورائها طمأنة الدول التي تساعده وبعث الشجاعة في نفوس جنده، وبعث الخوف والرعب في قلوب المُسلمين، وشعر أصحاب الثغور الإسلامية فعلا بالقلق، ولم يستطع أي ثغر منها أن يسمح لقواه بالابتعاد عن الثغر، خوفا من مباغتة هذا الأسطول القابع في "لمبدوشا"، المتحفز للهجوم، وبقيت الثغور تننظر تنفيذ الإنذار الجديد. تحرك الأسطول الملفق قاصدا ثغرا من الثغور الإسلامية هو صفاقس، ورجعت قوارب الصيد الصفاقسي ذات يوم مذعورة تعلن قرب وصول الأسطول الإفرنجي إلى ميناء صفاقس دون سابق إنذار، وتسامع الناس فاندفعوا إلى ساحل البحر بما لديهم من أسلحة بسيطة أكثرها خناجر وعصي، وتجمعوا ينتظرون وصول العدو إلى الشاطئ، ونزوله إلى البر ليحتفلوا بمقامه العظيم، وليقوموا بتكريمه بما يستحق من التكريم على طريقة المتحاربين.